الصفحة 11 من 16

هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن السلفية لا تتمتع بإنتاج معرفي هائل، تفوقت فيه، كما ونوعا، على ما سبقها من الجماعات السياسية، لكن فقط في مستوى الخطاب العقدي وليس التنظيمي أو العملي الذي لمّا يزل عصيا على التناول. ومع ذلك فإن بعضا من أهم صعوبات دراسة الظاهرة تكمن في السعة اللامتناهية لهذا الإنتاج الذي يجد صداه في أعماق التاريخ الإسلامي منذ البعثة النبوية وإلى يومنا هذا. فمن ذا الذي يمكنه أن يتفرغ للإحاطة بالظاهرة بحيث يكون ملزما، علميا وأدبيا، بمطالعة ملايين الصفحات من المنشورات التي تعج بها الشبكات الإعلامية الجهادية، ومئات الساعات من الأشرطة المرئية والصوتية، والآلاف من المجلدات والكتب والأبحاث؟ سؤال ثقيل خاصة إذا ما تم وضعه في سياق الظاهرة بوصفها أطروحة عقدية لا تقبل بغير الدليل الشرعي حَكَما بينها وبين الآخرين، وفي هذا السياق سيكون على الباحث تكبد المشاق من كل حدب وصوب. إذ أن لغة الخطاب السلفي بوصفها لغة العلم الشرعي التي يختلف العلماء والمتخصصين في فهمها وتفسيرها، من الطبيعي ألا يقوى على فهم شروطها وتفاصيلها إلا من امتلك قدرا معقولا منها، فكيف سيكون الحال لمن لا يمتلك منها حتى القليل؟ وغني عن البيان أن الخطاب السلفي يخاطب، مبدئيا، الجميع بلغة واحدة، لكنه حافل بالرموز بحيث يتوجب على الباحث التنقيب عن، والتمييز بين، رسالة موجهة للنخبة والمتخصصين وثانية موجهة للقيادات الميدانية والمقاتلين وثالثة تستهدف الأتباع ورابعة للعامة من الناس الذين يستقبلون في الغالب خطابا تحريضيا وخامسة تحمل تهديدا ووعيدا وسادسة تتحدث عن هدنة ... وهكذا.

لكن لأن لغة الخطاب السلفي الجهادي صعبة التوصيف وليست سهلة كما يعتقد البعض فمن المهم الإفادة من اللغة السائدة في وسائل الإعلام الجهادي بوصفها مخزنا للمعلومات والآراء والأفكار المؤيدة والمعارضة، ومصدرا رئيسيا للأخبار فيما يتعلق بالتيار الجهادي، وهذا من شأنه أن يساعد أي باحث في فهم لغة التيار عبر مفردات ومصطلحات يسيرة. ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه الوسائل تعبر، إلى حد كبير، عن السَّمت الحقيقي لتوجهات الرموز وسياسات التيار في مختلف مناطق تواجده، كما أن لها من القوة والحصانة الشرعية بما يكفي لتحصين الرموز ودفعهم نحو الصراحة في القول والحسم في القضايا الخلافية على أسس شرعية أيا كانت النتائج. والأكيد أن المتابع لهذه الوسائل سيحتاج إلى فترة طويلة وجهود مضنية ومتابعة حثيثة كي يفهم آلية عملها وطرق التعامل مع روادها وكتابها ومشايخها وما يدور فيها والوقوف على المستجدات وإلا فقد يختلط عليه الأمر لو انقطع عن المتابعة ويفقد بذلك ما جناه من تراكم معرفي ثمين.

رابعا: تداعيات منهجية

لا ريب أن تفعيل ناظم «الولاء والبراء» من قبل التيار، بصورة غير مسبوقة وعلى كل مستوى، تَسَبب في إحالة كافة الشبهات والمسائل الخلافية وحتى ما بدا بديهيات طوال قرون أو عقود إلى الدليل للتحقق منه ثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت