و «مشبوهة» عند سادس و «ضالة» عند سابع و «مجنونة» عند ثامن و «إرهابية» عند تاسع ... وهكذا في سلسلة لا تنتهي من التوصيفات المضادة. ولكن هذه التوصيفات لا تختلف كثيرا، بالنسبة للسلفية، عما واجهه محمد بن عبد الوهاب ومن بعده أئمة الدعوة النجدية حين جهروا في دعوتهم إلى تصحيح «التوحيد» ، بل أنها لا تختلف عما واجهه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في أعقاب حادثة الإسراء والمعراج، فمن صدق حينذاك، غير «قلّة» في مقدمتها الصحابي الجليل أبو بكر، بأن ما وقع كان حقيقة؟ وما الذي يجبر أحدا على أن يصدق أن ما تفعله السلفية اليوم منطقي؟ أو مشروع؟ أو ممكن التحقق؟
هكذا هي عذرية الظاهرة تتسبب دوما، ودون رحمة، بإلقاء المزيد من التساؤلات الغزيرة والمثيرة عن هوية السلفية الجهادية ونشأتها وماهية أطروحاتها؟ ومن يصنع القيادة فيها؟ وبأية شروط؟ ووفق أية آليات؟ ولماذا تحتاج الأمة إلى قيادة؟ وراية؟ ولماذا ترفض السلفية تسليم القيادة لأية جماعة أخرى؟ وما علاقة سايكس - بيكو بنوعية القيادة؟ وما هي مصادر قوتها وجاذبية خطابها؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل فكرها وتفكيرها؟ وأين سيحط رحاله؟ أما لماذا هذا العناء؟ فلأن الظاهرة لم يجر توصيفها، بالدقة المأمولة، حتى الآن، ولما يكون الأمر كذلك فهل بمقدورنا، كباحثين، تحليلها؟ ناهيك عن نقدها؟
الأكيد أن التساؤلات كثيرة وكبيرة، أما الإجابات فقليلة إن لم تكن نادرة أو خاوية إنْ وجدت، والأسوأ أن السلفية الجهادية ذاتها ما زالت تقدم خطابا بلغتها هي لا بلغة العصر ولا بلغة العامة، وخطابا، إذا ما قسناه بلغة العلم، فهو أقرب إلى خطاب النخبة منه إلى خطاب العامة من الناس بمن فيهم المثقفين. فإذا نادت السلفية، مثلا، بـ «محاربة الطاغوت» أسقطته الغالبية حصرا على الحاكم وحده، وعدّه آخرون خروجا على الإمام أو ولي الأمر، وإذا نادت بـ «التوحيد» اتهمت بـ «التكفير» ، وإذا دعت إلى محاربة «سايكس - بيكو» رأت فيه العامة والخاصة فتنة ورجعية وخروجا عن التحديث وسنن التغيير، وإذا ربحت معركة وصفوها بـ «الإرهاب» وإذا خسرتها حملوها المسؤولية.
ومع كل هذه التناقضات تستمر السلفية الجهادية كظاهرة في تحديها دون أن تلتفت كثيرا لما ينتظرها، وكأنها باتت تؤمن بأنها المسؤولة الوحيدة عن حماية «التوحيد» في زمن غدا فيه «الإيمان والكفر والشرك والردة» مسائل، على الأقل، ملتبسة تتطلب حوارا دوليا بين الأديان لإعادة تعريفها والتفاهم حول ماهياتها. هكذا هي، وبصورة تبعث على الدهشة فعلا حيثما وجدت، في أفغانستان والعراق ولبنان والشيشان والصومال وباكستان ... ، فما من جماعة جهادية أو حركة تحرر سابقة عليها اشتغلت بنفس الطرق والأدوات ماضيا وحاضرا، ولعلنا كنا نسمع ونراقب على الدوام، ولمّا نزلْ، عن محاولات سياسية من جماعات جهادية ووطنية تبدي استعدادها