الصفحة 3 من 16

لا شك أن ضربة 11 سبتمبر وحربي العراق وأفغانستان، وما أعقبهما من بروز لظاهرة الجماعات الجهادية في إطار ما اشتهر بتيار «السلفية الجهادية» ، مثّل فرصة ثمينة جدا لفهم الظاهرة، ولا شك أيضا أن ما يوصف بالإعلام الجهادي الإلكتروني، وعبر عشرات الشبكات ذات الصلة، قد وضع النقاط على الكثير من الحروف أمام الباحثين والدارسين للاطلاع على حقيقة الخطاب السلفي الجهادي ليس من خلال ما يقدمه الرموز فقط بل، وهو الأهم، من خلال رؤية الرواد والكتاب والعلماء وطلبة العلم والمنظرين وما يطرحونه من مواقف ورؤى وفتاوى وتأصيلات شرعية لقضايا سياسية ودينية طالما مثلت موضع خلاف حتى بين العلماء. وأكثر من ذلك أن هذه الأطروحات، الواقعة في إطار حرب الأفكار، والدائرة في ساحات المنتديات، بين مختلف التيارات الإسلامية، الجهادية وغير الجهادية، كشفت عن بعض مكنونات الظاهرة وكيفية التصدي لها بالبحث. لكن، يبقى الإشكال الرئيس أمام الباحث في استعداده للاضطلاع بمهمة عسيرة للغاية، وفي قدرته على الاستمرار في متابعة مرهقة للظاهرة خاصة فيما تصدره الشبكات أو ما يدور في رحى منتدياتها من حوارات ساخنة وتعبيرات عن مواقف تمثل، ولا ريب، رصيدا معرفيا خاما وهائلا باشتماله على أدق التفاصيل ومختلف التوجهات، ولعل معاينة لبعض كبريات المسائل التي تطرحها السلفية الجهادية لا ينبغي، منهجيا، أن يخرج عن هذه الساحات الحوارية. لكن السؤال: ما هي السمات المميزة للأطروحة السلفية الجهادية؟ وكيف وقع تناولها، منهجيا، من قبل الدارسين؟

أولا: عذرية الظاهرة ومنطق الأطروحة

خلافا لما هو شائع، فإننا نقرّ مسبقا أننا لسنا بصدد ظاهرة تقليدية مألوفة بحيث يمكن قراءتها بالقياس على ما سبقها من ظواهر تبدو للوهلة الأولى ذات مواصفات مماثلة، ولعل في هذا بعض العزاء للباحثين الذين عزفت غالبيتهم الساحقة عن محاولة الفهم، فلا الغربيون المعاصرون ولا العرب ولا المسلمون في شتى أنحاء العالم ولا غيرهم أيضا عاشوا مثيلا لها. فما الذي يمكن أن يفهمه عالَم اليوم، وليس الأمس، بمسلميه ونصاراه وبوذييه وهندوسييه وملحديه من أطروحات السلفية الجهادية عن قضية «التوحيد» ، مثلا، أو «الراية» أو «الحاكمية» أو «الجهاد» أو «الولاء والبراء» أو «الاعتقاد» أو «الدين» أو «سايكس- بيكو» أو «الوطن» أو «الأيديولوجيا» ، شرقيها وغربيها، بينما هو غارق حتى ناصيته في قيم الحداثة والعولمة ولغة السوق وسط ثورات تكنولوجية ورقمية لا سابق لها؟ وكيف يمكن لهذا العالَم أن يفهم الزمن بصيغته الأزلية (الثابت) أو يتوقف عنده قليلا وهو يعيشه بمقتضى الدقيقة والثانية في الواقع (المتغير) ؟

بالتأكيد هذه الأطروحات التي ترى في العالَم وكأنه يعيش في «جاهلية» مسلحة بأحدث نظم العلم والمعرفة والتكنولوجيا ليست موضع ترحيب، ولا هي تتمتع بالكثير من المصداقية حتى عند المسلمين من أقران السلفية الجهادية، زيادة على أنها منبوذة. فهي بنظر البعض «مستحيلة التحقق» ، و «متطرفة» عند البعض الآخر، و «خارجية» عند ثالث، و «باعثة على الفتن» عند رابع، وسبب رئيس في «تشويه الإسلام» عند خامس،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت