من الوقوف على المقاصد أو إدراك المعاني التي قد تساهم في فهم الظاهرة وتفسير خطاباتها والنظر في استراتيجياتها وسياساتها بالمضمون الذي هي تعتقد به وتسعى إلى التعبير عن نفسها من خلاله [1] ، فلعلنا بذلك نفهم بعض ما تشي به من مضامين ما زالت خبيئة أو أنها عصية على الفهم خاصة وأنها تُطرَح بلغة العلم الشرعي فيما الغالبية الساحقة من الأمة بعيدة عن العلم بعقيدتها أو فهم مراميها، ولأن لغة العلم الشرعي صعبة حتى على كبار العلماء والفقهاء فلنتحدث إذن بلغة ميسرة قريبة من الأفهام، مع التأكيد على أننا لا نرى غضاضة في استخدام أدوات تحليل من شأنها أن تساعد في فهم الظاهرة بشرط عدم المس بجواهر المسائل المطروحة أو إحداث أي خدش يقلل من قيمة التوصيف.
هذا الاختيار المنهجي حاسم بالمقارنة مع ما يمكن وصفه بـ «الزلل المنهجي» لمن يلجؤون إلى قراءة الأطروحة السلفية اعتمادا على المقاربات الإعلامية أو الأيديولوجية أو الأمنية أو السياسية أو القانونية أو حتى التنظيمية أو الأماني والرغبات، ذلك أن السلفية تيار متشعب ومعقد لكنه ليس تنظيما ولا حزبا حتى وإن بدت أدواته الضاربة للعيان كذلك في مواضع شتى، فهو تيار عقدي يضم رموزا وقادة وعلماء وأنصارا ومجاهدين، لا فواصل بينهم ولا امتيازات ولا مغريات ولا هوى من أي نوع كان. وكل هؤلاء ومن يدور في فلكهم ينطقون بلغة واحدة هي لغة «التوحيد» التي يقدمون أنفسهم بها أينما كانوا دون أن يعني ذلك عصمتهم من الوقوع بأخطاء قاتلة وتأويلات غير شرعية.
هذا المفهوم، «التوحيد» ، قد يكون مألوفا تداوله والدفاع عنه بين الجماعات والفِرَق الإسلامية كافة على اختلاف عقائدها ومناهجها وصولا إلى الأحزاب العلمانية التي لا تنكره فضلا عن العامة من الناس. وبالتالي يبدو عصيا على الفهم، وربما استفزازيا، خاصة وأن السلفية الجهادية تظهر كمن يحتكر الوصاية على المفهوم بينما هو في الحقيقة من أصول الإيمان لدى كافة المسلمين. لكن حين يجري استعمال المفهوم لفحص عقائد ومناهج الجماعات والفرق الإسلامية سنجد فوارق كبرى تتراوح ما بين «التوحيد البراغماتي» ، الذي لا يضيره التصالح مع أعداء الملة وحتى التحالف معهم إلى إذا لزم الأمر، و «التوحيد القبوري» الذي يصل إلى حدود الشرك كما هو الحال، مثلا، مع أغلب الفرق الصوفية. وسعيا منها لإبعاد «التوحيد» عن أية شوائب تعكر صفوه ونقاءه تلجأ السلفية إلى الاستعانة بمعيار «الولاء والبراء» لِنظْمه والتأكيد على أنه وحدة واحدة لا يقبل القسمة على غيره من العقائد والمذاهب الوضعية والأيديولوجيات، ولا يقبل النسبة والتناسب ولا يقبل التكامل في العمل ولا في آليات العمل ولا حتى في تقاطع المصالح معها ولا مشاركتها في الأهداف. وهو بهذا المعنى يختزل إجمالي التيار ويكشف عن هويته وطبيعة مواقفه وأطروحاته وعلاقاته البينية والخارجية، وحتى عن تاريخية نشأته.
(1) أطرف ما قيل في مايكل شوير رئيس الوحدة المكلفة بملف أسامة بن لادن في وكالة الاستخبارات المركزية ( CIA) ، حين كان يمازحه أصدقائه: «لعل شيطان أسامة قد ركبك!» ، ذلك أن الرجل ربما يكون أدرك بعضا من عقل أسامة وخطاب السلفية وبات يتحدث بلغتها، ومع ذلك فقد فشل في القبض على غريمه وتم حل الوحدة وإقالته من منصبه.