الصفحة 8 من 16

على هذه الأرضية وانطلاقا منها؛ ليس غريبا أن يبدو التيار في واد وكافة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الراهنة ... في واد آخر ابتداء من الأعداء العقديين مرورا بالدول والجماعات والأحزاب والمنظمات وانتهاء بالنظم والشرائع والفلسفات القديمة والحديثة. وعلى هذه الأرضية أيضا؛ وانطلاقا منها، نشأت القاعدة كأطروحة عقدية. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار بنية النظام الدولي القائم وتقسيماته السياسية وعلاقاته ومؤسساته وقوانينه ونظم الاجتماع السياسي فيه؛ فلعله من الجدير بالذكر ملاحظة أن القاعدة كأحد الأدوات الضاربة، بخلاف الجماعات والأحزاب الوطنية، هي جزء من تيار لا يمكن نسبة نشأته إلى أية أطر سياسية أو أيديولوجية أو جغرافية أو حتى ديمغرافية [1] . وهذا يعني أن هوية التيار ونشأته تقع، حكما، في منطقة عقدية وليس سياسية ولا أيديولوجية، وهو ما تؤكده نشأة القاعدة ذاتها في أفغانستان وأغلب جماعات التيار المسلحة خاصة في العراق والصومال وحتى في الجزائر.

إذ خلافا لما هو شائع؛ فـ «القاعدة» نشأت منذ اللحظات الأولى لتأسيس بيت الأنصار بوصفها مؤسسة خدماتية ذات «سجل إداري» يُعنى بأحوال المتطوعين العرب وليس كتنظيم أو حزب أو حركة سياسية محلية ذات أيديولوجية وهيكلية تقليدية، ولم تقدم نفسها كذلك لا قبل مرحلة الجهاد الأفغاني الأول ولا في ظل حكم حركة «طالبان» الذي ابتدأ فعليا من العام 1996. وبعد انتهاء المرحلة الأولى لم يتبق من «السجل» الذي اشتمل على بيانات بآلاف المتطوعين سوى بضعة مئات التحقوا ببن لادن في السودان، هم من المريدين أو المقربين أو الأنصار. بل أن «القاعدة» ، كتسمية، لم تظهر قط في أية وثيقة رسمية قبل تأسيس «الجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين سنة 1998» ، وإلى جانب «جماعة الجهاد» المصرية [2] وليس بصفة منفردة. وكان من المفترض أن يكون الإعلان عن ميلاد «الجبهة» بمثابة العنوان الرئيس للتيار الجديد، لكنها سقطت ولم يصدر عنها أية بيانات لاحقة في حين ثبتت القاعدة. ويبدو أن الإعلام الدولي وأجهزة الأمن العالمية تقبلوا مصطلح «القاعدة» كتنظيم حتى قبل تأسيس «الجبهة» لكنهم وإنْ تقبلوه كأطروحة عقدية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إلا أنهم لم يدركوا، بعدْ، جواهر الأطروحة إلا بوصفها «أيديولوجية إرهابية متطرفة» [3] .

(1) سعيد علي عبيد الجمحي، «تنظيم القاعدة: النشأة .. الخلفية الفكرية .. الامتداد (اليمن أنموذجا) » ، ط1، (القاهرة - مصر، مكتبة مدبولي، 2008) ، ص 35.

(2) كل البيانات والمذكرات التي كان يصدرها بن لادن، قبل إعلان الجبهة، بما فيها بيانه الأول ضد الولايات المتحدة في شهر نوفمبر سنة 1996، والذي حمل عنوان: «إعلان الجهاد لإخراج الكفار من جزيرة العرب» ، كانت توقع باسمه ولم توقع باسم القاعدة كتنظيم رغم تداول التسمية بين أنصار بن لادن.

(3) لا بد من الإشارة إلى أن كل ما أنجزته مؤسسة راند للأبحاث فيما يتعلق بالجماعات الجهادية في العراق استند إلى التمييز بينها على أسس أيديولوجية أكثر منها عقدية. أما لماذا فعلت ذلك؟ فلأنها وضعت هدفا أمنيا يستهدف محاربة التيار وليس دراسته أكاديميا، لذا فقد نجحت الولايات المتحدة باختراق الساحة لضرب الجماعات الجهادية ببعضها لكنها لم تنجح في احتواء أطروحة التيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت