لجهة إدانة التفجيرات. وأسفرت الضغوط عن عملية تمايز في الموقف الشرعي بين من يؤيدون الجهاد بصيغته العالمية ومن يعارضونه. وهكذا فقد ظهر التعبير بوصفه صيغة إعلامية استعملت بالدرجة الأساس للتمييز بين ما يمكن تسميته بتيار «السلفية التقليدية» و «السلفية الجهادية» .
الحاصل أن السلفية الجهادية ربما تكون الجماعة الإسلامية الأميز، من حيث وحدانية المرجعية ولغة الخطاب الديني والبنية الهيكلية وتاريخية النشأة، بالمقارنة مع ما سبقها من جماعات ظهرت في عالمنا هذا منذ تقسيم الوطن العربي وانهيار الخلافة العثمانية. ومع ذلك؛ فإن أكثر الأخطاء الشائعة في توصيف الظاهرة أو التعليق على خطاباتها أو رصد سياساتها واستراتيجياتها العسكرية والأمنية والإعلامية هي تلك التي ينطلق أصحابها في قراءة الحدث، علما أو جهلا، من مكونات الواقع السياسي أو الأيديولوجي الذي يعيشونه، أما أشد الأخطاء المنهجية تعسفا فهي تلك التي تأبى، عبثا، الإقرار بعقدية الظاهرة، وتقفز فوق مراحل البحث مفضلة النقد على التوصيف.
لذا فقد تباينت إجمالي الأطروحات التي عبر عنها مختلف الباحثين تجاه الظاهرة، سواء عبر تصريحاتهم أو عبر دراساتهم وكتاباتهم، إلى حد التناقض مخلفة وراءها فقرا مدقعا في الرصيد المعرفي يمكن ملاحظته في صورة:
-أطروحات محافظة أفرزها نموذج ثقافي ينزع إلى الحياد أكثر من الانحياز.
-أطروحات ميالة إلى الفهم لكنها نأت بنفسها عن الخوض في الظاهرة عميقا إما تحرجا أو لخشيتها من المتاعب الأمنية.
-أطروحات معادية للظاهرة عقديا وسياسيا وإعلاميا لكنها منفتحة عليها أكاديميا.
-أطروحات أكاديمية غلب عليها الجهل المطبق بأبسط خصائص الظاهرة رغم أن أصحابها من الدارسين تاريخيا للحركات الاجتماعية الإسلامية والعلمانية.
-أطروحات أيديولوجية أميل ما تكون إلى معاداة الظاهرة أو الاستخفاف بها من دراستها.
-أطروحات صماء لا تعترف حتى بوجود ظاهرة.
لا ريب أن أغلب هذه الحصيلة من الأطروحات المتناثرة، كما ونوعا، هي أقرب ما تكون إلى التعبير عن المواقف تجاه الظاهرة أكثر مما هي نتاجات لأبحاث علمية، مما يعني أننا، في سياق البحث العلمي وما تستحقه الظاهرة من جهد، ما زلنا في أحسن الأحوال في المراحل الأولى من التوصيف والذي نحسب أنه لن ينته قريبا، وتبعا لذلك فنحن أبعد ما نكون، علميا، عن تناول الظاهرة بالتحليل العميق والنقد الموضوعي. لذا وجب التحذير من أن توصيف الظاهرة قد يبدو سهل المنال لكنه في الحقيقة مظهر خادع ليس الوصول إليه متاحا، على الأقل، بالنظر إلى التباين المنهجي في تناول الظاهرة فضلا عن سرية الفاعلين واختلاف البناء الهيكلي للأدوات التي تشكل الظاهرة كالتنظيم الأم والأدوات الضاربة لها في شتى أنحاء العالم وآليات العمل مقارنة بالأبنية التقليدية التي ألفناها من الجماعات الجهادية المسلحة.