ونحن الآن في الشوط الثاني في أفغانستان فرأيتُ أن نعرض هذه الأفكار ونحاول أن لا يغادر الشباب"السعودي"هذه الساحة مرة أخرى إلا وقد فهموا وأخذوا هذه المواد، سواء فيما يخص قضايا الجزيرة، أو فيما يخص قضايا الفكر وقضايا الصحوة وقضايا المسلمين، بحيث نضعه في مستوى من الفهم على نفس مستوى شباب الصحوة من التيارات الأخرى.
وأقول لكم تعرضتُ إلى ما تعرض له كل صاحب دعوة؛ والآن شائع جدًا أن تسمعوا من يقول: لا تسمعوا لأبو مصعب فعنده فكر مشوش وهناك أشياء غير مفهومة.
فأحببت أن أبدأ بقول الله تعالى {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فأعتقد أنه من حقكم أن تسمعوا ثم تعرضوا هذا السمع على العقل وعلى ما عندكم من العلم الشرعي، وتعرضوه حتى على من تثقوا به من أهل العلم وتسألوهم ثم بعد ذلك يستقر الإيمان في قلوبكم بناءً على السمع والعقل والتفكير وهذا هو ما نجتهد في شرحه.
ولا أريد أن أطيل ولكن أقرا لكم قصة إسلام الطُّفيْل بن عمرو الدوسي من"سيرة ابن هشام". ص 21، وأهدي هذا المقطع من السيرة رسالة إلى شباب الجزيرة وأطلب منهم أن يتعلموا من كل صاحب دعوة وفكر بهذه الآلية التي تعامل بها هذا الصحابي الجليل الذي كان سبب إسلامه أن غلَّب العقل، يقول ابن هشام [1] :
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث: أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا.
قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا - يقصد القطن؛ يعني سد اذنه -
من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة. قال: فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: فسمعت كلاما
(1) السيرة النبوية لأبن هشام - (1/ 382) ، ط: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي.