خامسا: إن ما يَبعث على الخوف والقلق ليس مجرد صدور هذه الفتوى منكم، ولكن الأدهى أن هذه الفتوى صدَرت بمُقتضى منهج مُتَّبع من قِبَلكم في إصدار مثل هذه الفتاوى، أهم ما يُميِّزه:-
-أنه ينطلق من مبدأ مُجاراة حكام السوء في أهوائهم السياسية، وموافقتهم على تصرفاتهم.
-وفي سبيل ذلك يتعسف الأدلة ويلوي أعناق النصوص؛ لتستجيب لتلك الرغبات.
-وإذا لم تُسعِف النصوص القابلة لذلك في الواقعة والمعروضة، أُبهِم الحُكم بصورة يتوصَّل بها الحكام لمرادهم.
-أنه قائم على الجهل بالواقع الذي هو مناط الحكم، ولا تجوز الفتوى على جهلٍ به (1) .
-ولأنه مَبْنِي على رغبات الحكام المُتقلبة فقد اتَّسَم بكثيرٍ من التناقض والتعارض.
-وقد أوْرَدنا في رسالتنا السابقة من الأمثلة ما يشهد بصدق هذا الكلام.
ولا يخفى ما في هذا المنهج من البطلان الظاهر والفساد الجلي؛ لأنه قائم على التشهِّي والمُحاباة في إصدار الفتاوى وهذا -كما يقول ابن القيم رحمه الله-:"حرام باتفاق الأمة، وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصَّب نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أو فتوى أن أُفتيه بالرواية التي تُوافِقه وهذا مما لا خلاف بين من يعتدَّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان" (إعلام الموقعين 4/ 211)
[إلى أن يقول في آخر الرسالة:-] كما نُكرر دعوتنا لكم أيها الشيخ للخروج من خندق هؤلاء الحكام الذين سخَّروكم لخدمة أهوائهم وتترَّسوا بكم ضد كل داعية، ورموا بكم في وجه كل مُصلح، ونخوِّفكم بما خوَّف الله به أفضل خلقه وخاتم رُسله بقوله -تعالى-: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا - وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}