مُقَاتِلًا،وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ يَقُودُونَهَا،وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِالْقِيَانِ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ،وَيَتَغَنَّيْنَ بِهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ،ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ الْمُطْعِمِينَ مِنْهُمْ،وَذَكَرَ رُجُوعَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْجُحْفَةِ رَأَى جُهَيْمُ بْنُ الصَّلْتِ رُؤْيَا فَبَلَغَتْ أَبَا جَهْلٍ،فَقَالَ:وَهَذَا نَبِيٌّ آخَرُ مِنْ بَنِيِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى قُرَيْشٍ مَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْعَسْكَرِ فَقَالَ:قُتِلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ،يُعَدِّدُ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ،ثُمَّ طَعَنَ فِي لَبَّةِ بَعِيرِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ،فَلَمْ يَبْقَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ قُرَيْشٍ إِلَّا أَصَابَهُ دَمُهُ،وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ،فَذَكَرَ مَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الصَّفْرَاءِ بَعَثَ بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وَعَدِيَّ بْنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ الْجُهَنِيَّيْنِ يَلْتَمِسَانِ الْخَبَرَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ،فَانْطَلَقَا حَتَّى وَرَدَا بَدْرًا،فَأَنَاخَا بَعِيرَيْهِمَا إِلَى تَلٍّ مِنَ الْبَطْحَاءِ وَاسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا مِنَ الْمَاءِ،فَسَمِعَا جَارِيَتَيْنِ تَقُولُ إِحْدَاهُمَا لِصَاحِبَتِهَا:إِنَّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا،فَلَخَّصَ بَيْنَهُمَا مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ:صَدَقَتْ،وَسَمِعَ ذَلِكَ بَسْبَسٌ وَعَدِيٌّ،فَجَلَسَا عَلَى بَعِيرَيْهِمَا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ،وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ وَلَّيَا وَقَدْ حَذِرَ،فَتَقَدَّمَ أَمَامَ عِيرِهِ فَقَالَ لِمَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو:هَلْ أَحْسَسْتَ عَلَى هَذَا الْمَاءِ مِنْ أَحَدٍ تُنْكِرُهُ ؟ فَقَالَ:لَا وَاللَّهِ،إِلَّا أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ أَنَاخَا إِلَى هَذَا التَّلِّ فَاسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا ثُمَّ انْطَلَقَا،فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ مَنَاخَ بَعِيرَيْهِمَا فَأَخَذَ مِنْ أَبْعَارِهِمَا وَفَتَّهُ فَإِذَا فِيهِ النَّوَى،فَقَالَ:هَذِهِ وَاللَّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ،ثُمَّ رَجَعَ سَرِيعًا فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ فَانْطَلَقَ بِهَا مُسَاحِلًا،حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ بَعَثَ إِلَى قُرَيْشٍ أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَجَّى عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَرِجَالَكُمْ فَارْجِعُوا،فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ:وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَأْتِيَ بَدْرًا - وَكَانَتْ بَدْرٌ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ - فَنُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا،فَنُطْعِمَ بِهَا الطَّعَامَ،وَنَنْحَرَ بِهَا الْجُزُرَ،وَنَسْقِيَ بِهَا الْخَمْرَ،وَتَعْزِفَ عَلَيْنَا الْقِيَانُ،وَتَسْمَعَ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا،فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا بَعْدَهَا أَبَدًا . قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ:يَا مَعْشَرَ بَنِي زُهْرَةَ،إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَجَّى أَمْوَالَكُمْ،وَنَجَّى صَاحِبَكُمْ،فَارْجِعُوا . فَأَطَاعُوهُ فَرَجَعَتْ زُهْرَةُ فَلَمْ يَشْهَدُوهَا،وَلَا بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ،وَارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَذَكَرَ مَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ وَادِي ذَفَارٍ نَزَلَ وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ،فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ،فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَحْسَنَ،ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ فَأَحْسَنَ،ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،امْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ،فَنَحْنُ مَعَكَ،وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ . فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مَنْ دُونَهُ حَتَّى تَبْلُغَهُ،فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِهِ،ثُمَّ قَالَ:"أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ"وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ،وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَدُ النَّاسِ،وَكَانُوا حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ قَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّا بُرَآءُ مِنْ ذِمَامِكَ حَتَّى تَصِلَ إِلَى دَارِنَا،فَإِذَا وَصَلْتَ إِلَيْنَا فَأَنْتَ فِي ذِمَمِنَا،نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا،فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّفُ أَنْ لَا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى أَنَّ عَلَيْهَا نُصْرَتَهُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ،وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى عَدُوٍّ بِغَيْرِ بِلَادِهِمْ،فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ:وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرِيدُنَا .