ثَمَنًا قَلِيلًا،أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ،وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ،وَلا يُزَكِّيهِمْ.وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..
فهي قاعدة واحدة من راعاها وفاء بعهد اللّه وشعورا بتقواه أحبه اللّه وأكرمه.ومن اشترى بعهد اللّه وبأيمانه ثمنا قليلا - من عرض هذه الحياة الدنيا أو بالدنيا كلها وهي متاع قليل - فلا نصيب له في الآخرة.ولا رعاية له عند اللّه ولا قبول،ولا زكاة له ولا طهارة.وإنما هو العذاب الأليم.
ونلمح هنا أن الوفاء بالعهد مرتبط بالتقوى.ومن ثم لا يتغير في التعامل مع عدو أو صديق.فليس هو مسألة مصلحة.إنما هو مسألة تعامل مع اللّه أبدا.دونما نظر إلى من يتعامل معهم.
وهذه هي نظرية الإسلام الأخلاقية بصفة عامة.في الوفاء بالعهد وفي سواه من الأخلاق:التعامل هو أولا تعامل مع اللّه،يلحظ فيه جناب اللّه،ويتجنب به سخطه ويطلب به رضاه.فالباعث الأخلاقي ليس هو المصلحة وليس هو عرف الجماعة،ولا مقتضيات ظروفها القائمة.فإن الجماعة قد تضل وتنحرف،وتروج فيها المقاييس الباطلة.فلا بد من مقياس ثابت ترجع إليه الجماعة كما يرجع إليه الفرد على السواء.ولا بد أن يكون لهذا المقياس فوق ثباته قوة يستمدها من جهة أعلى ..أعلى من اصطلاح الناس ومن مقتضيات حياتهم المتغيرة ..ومن ثم ينبغي أن تستمد القيم والمقاييس من اللّه بمعرفة ما يرضيه من الأخلاق والتطلع إلى رضاه والشعور بتقواه ..بهذا يضمن الإسلام تطلع البشرية الدائم إلى أفق أعلى من الأرض واستمدادها القيم والموازين من ذلك الأفق الثابت السامق الوضيء.
ومن ثم يجعل الذين يخيسون بالعهد ويغدرون بالأمانة .. «يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا» ..فالعلاقة في هذا بينهم وبين اللّه قبل أن تكون بينهم وبين الناس ..ومن هنا فلا نصيب لهم في الآخرة عنده،أن كانوا يبغون بالغدر والنكث بالعهد ثمنا قليلا هو هذه المصالح الدنيوية الزهيدة! ولا رعاية لهم من اللّه في الآخرة جزاء استهانتهم بعهده - وهو عهدهم مع الناس - في الدنيا.
ونجد هنا أن القرآن قد سلك طريقة التصوير في التعبير.وهو يعبر عن إهمال اللّه لهم وعدم رعايتهم،بأنه لا يكلمهم ولا ينظر إليهم ولا يطهرهم ..وهي أعراض الإهمال التي يعرفها الناس ..ومن ثم يتخذها القرآن وسيلة لتصوير الموقف صورة حية تؤثر في الوجدان البشري أعمق مما يؤثر التعبير التجريدي.على طريقة القرآن في ظلاله وإيحاءاته الجميلة [1] .
ثم يمضي في عرض نماذج من أهل الكتاب فيعرض نموذج المضللين،الذي يتخذون من كتاب اللّه مادة للتضليل،يلوون ألسنتهم به عن مواضعه،ويؤولون نصوصه لتوافق أهواء معينة،ويشترون بهذا كله ثمنا قليلا ..عرضا من عرض هذه الحياة الدنيا:ومن بين ما يلوون ألسنتهم به ويحرفونه ويؤولونه ما يختص
(1) - يراجع فصل: «طريقة القرآن» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )