وهي الحقيقة الكبيرة وراء العرض الفني المثير ..حقيقة الصلة بين النفس البشرية والتربة الأرضية.حقيقة الأصل الواحد،وحقيقة الطبيعة الواحدة،وحقيقة الحياة النابتة في النفس وفي التربة على السواء.وحقيقة المحق الذي يصيب هذه الحياة في النفس وفي التربة على السواء.
إنه القرآن ..كلمة الجميلة ..من لدن حكيم خبير ..
ويمضي السياق خطوة أخرى في دستور الصدقة.ليبين نوعها وطريقتها،بعد ما بين آدابها وثمارها: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ،وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ،وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ.وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ،وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» ..
إن الأسس التي تكشفت النصوص السابقة عن أن الصدقة تقوم عليها وتنبعث منها لتقتضي أن يكون الجود بأفضل الموجود فلا تكون بالدون والرديء الذي يعافه صاحبه ولو قدم إليه مثله في صفقة ما قبله إلا أن ينقص من قيمته.فاللّه أغنى عن تقبل الرديء الخبيث! وهو نداء عام للذين آمنوا - في كل وقت وفي كل جيل - يشمل جميع الأموال التي تصل إلى أيديهم.
تشمل ما كسبته أيديهم من حلال طيب،وما أخرجه اللّه لهم من الأرض من زرع وغير زرع مما يخرج من الأرض ويشمل المعادن والبترول.ومن ثم يستوعب النص جميع أنواع المال،ما كان معهودا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يستجد.فالنص شامل جامع لا يفلت منه مال مستحدث في أي زمان.وكله مما يوجب النص فيه الزكاة.أما المقادير فقد بينتها السنة في أنواع الأموال التي كانت معروفة حينذاك.وعليها يقاس وبها يلحق ما يجد من أنواع الأموال.
وقد وردت الروايات بسبب لنزول هذه الآية ابتداء،لا بأس من ذكره،لاستحضار حقيقة الحياة التي كان القرآن يواجهها وحقيقة الجهد الذي بذله لتهذيب النفوس ورفعها إلى مستواه ..
روى ابن جرير - بإسناده - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ:وَاللَّهُ غَنِيُّ حُمَيْدٌ قَالَ:"نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ،كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ أَيَّامُ جُذَاذِ النَّخْلِ أَخْرَجَتْ مِنْ حِيطَانِهَا أَقْنَاءَ الْبُسْرِ،فَعَلَّقُوهُ عَلَى حَبْلٍ بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَيَأْكُلُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُ،فَيَعْمِدُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِلَى الْحَشَفِ فَيُدْخِلُهُ مَعَ أَقْنَاءِ الْبُسْرِ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ:وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قَالَ"لَا تَيَمَّمُوا الْحَشَفَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ"حَدَّثَنِي مُوسَى،قَالَ:ثنا عَمْرٌو،قَالَ:ثنا أَسْبَاطٌ،زَعَمَ السُّدِّيُّ،عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ،عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ بِنَحْوِهِ،إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:"فَكَانَ يَعْمِدُ