يسأل كثير من المجاهدين عن حكم من يصاب في المعركة غير أنه ربما يعيش فترة قصرت أو طالت وربما ينقل خلالها إلى مكان آخر ويتكلم بكلام الأحياء وربما أكل أو شرب ثم يموت بعد ذلك، فهل يغسل ويكفن ويصلى عليه مثل باقي الأموات أم أن هذا له حكم شهداء الدنيا والآخرة فلا يفعل به هكذا؟
والصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة أن من كان مثل هذا فإن له منزلة الشهيد في الآخرة غير أن حكمه في الدنيا حكم سائر الأموات بخلاف من مات في مكان القتال أو أجهز عليه في مكانه ولو تكلم والدليل على هذا التفريق:
* ما ورد في قصة موت سعد بن معاذ - رضي الله عنه - وكان قد أصيب يوم خيبر ولكنه بقي مدة حتى حكم في بني قريظة [1]
(1) وردت قصة إصابة سعد بن معاذ - رضي الله عنه - وموته مختصرة ومفصلة في كثير من كتب السنة والسيرة فقد رواها مختصرة مسلم والترمذي وأحمد والحاكم والبيهقي وابن ماجة، ورواها مطولة أحمد وابن خزيمة وابن حبان وابن أبي شيبة وأبو يعلى والترمذي وقال: حسن صحيح، والحديث بطوله عن جابر وعائشة رضي الله عنهما ولفظه: ورمى سعدا رجل من المشركين يقال له بن العرقة بسهم قال: خذها وأنا بن العرقة فأصاب أكحله فقطعها فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، فبرأ وبعث الله الريح على المشركين فكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا، فلحق أبو سفيان بتهامة ولحق عيينة ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا بصياصيهم، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد ووضع السلاح قالت فأتاه جبريل فقال: أو قد وضعت السلاح فوالله ما وضعت الملائكة السلاح اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرحيل ولبس لأمته فخرج فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحاصرهم خمسا وعشرين يوما فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء عليهم قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستشاروا أبا لبابة - رضي الله عنه - فأشار إليهم أنه الذبح فقالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فنزلوا على حكم سعد، وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد فحمل على حمار وعليه إكاف من ليف وحف به قومه فجعلوا يقولون: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت فلا يرجع إليهم قولا حتى إذا دنا من ذراريهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لسعد أن لا يبالي في الله لومة لائم، فلما طلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (احكم فيهم) قال إني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله) ثم دعا الله سعد - رضي الله عنه - فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقني لها وإن كنت قطعت بينهم وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه وكان قد برأ منه حتى ما بقي منه إلا مثل الحمص، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجع سعد إلى بيته الذي ضرب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحضره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما (راجع: الخصائص الكبرى ج 1/ 386، زاد المعاد ج 4/ 36، السيرة الحلبية ج 2/ 644، الطبقات الكبرى ج 2/ 67، البداية والنهاية ج 4/ 122)