وإنما غسل عمر وعلي لأنهما ارتثا والارتثاث يمنع الشهادة على ما نذكر ... إلى أن قال:
* ومنها أن لا يكون مرتثا في شهادته وهو مأخوذ من الثوب الرث وهو الخلق، والأصل فيه ما روي أن عمر رضي الله عنه لما طعن حمل إلى بيته فعاش يومين ثم مات فغسل وكان شهيدا وكذا علي حمل حيا بعد ما طعن ثم مات فغسل وكان شهيدا وعثمان أجهز عليه في مصرعه ولم يرتث فلم يغسل وسعد بن معاذ ارتث فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (بادروا إلى غسل صاحبكم سعد كيلا تسبقنا الملائكة بغسله كما سبقتنا بغسل حنظلة) ولأن شهداء أحد ماتوا على مصارعهم ولم يرتثوا حتى روي أن الكأس كان يدار عليهم فلم يشربوا خوفا من نقصان الشهادة فإذا ارتث لم يكن في معنى شهداء أحد ... إلى قوله:
* ومنها ـ أي من شرائط الشهادة ـ كون المقتول مسلما فإن كان كافرا كالذمي إذا خرج مع المسلمين للقتال فقتل يغسل لأن سقوط الغسل عن المسلم إنما ثبت كرامة له والكافر لا يستحق الكرامة.
* ومنها كون المقتول مكلفا هو شرط صحة الشهادة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا يكون الصبي والمجنون شهيدين عنده وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ليس بشرط ويلحقهما حكم الشهادة ... إلى أن قال:
* ومنها الطهارة عن الجنابة شرط في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما ليس بشرط حتى لو قتل جنبا لم يكن شهيدا عنده خلافا لهما، وجه قولهما أن القتل على طريق الشهادة أقيم مقام الغسل كالذكاة أقيمت مقام غسل العروق بدليل أنه يرفع الحدث، ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى ما روي أن حنظلة استشهد جنبا فغسلته الملائكة حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما باله) فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهيعة فقال - صلى الله عليه وسلم: (لذلك غسلته الملائكة) . اهـ [1]
حكم المرتث [2] .
(1) بدائع الصنائع ج 1/ 320 ـ 323.
(2) الارتثاث هو الضعف الشديد ومنه أخذ لفظ المرتث وأصل اللفظة من الرث وهو الثوب الخلق وهو القديم البالي يقال: ارتث بنو فلان ناقة لهم أو شاة نحروها من الهزال، الرث و الرثة و الرثيث الخلق الخسيس البالي من كل شيء، ورجل رث الهيئة خلقها، وفي خلقه رثاثة أي بذاذة، والرث والرثة: رديء المتاع وأسقاط البيت من الخلقان، والمرتث هو الصريع الذي يثخن في الحرب ويحمل حيا ثم يموت، وقال العلماء: هو الذي يحمل من المعركة وبه رمق فإن كان قتيلا فليس بمرتث، ويقال للرجل إذا ضرب في الحرب فأثخن وحمل به رمق ثم مات قد ارتث فلان، أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق والارتثاث أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح والرثيث أيضا الجريح كالمرتث، وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها (فرآني مرتثة) أي ساقطة ضعيفة. (راجع: لسان العرب ج 2/ 152، بدائع الصنائع ج 1/ 320 ـ 323، الهداية شرح البداية ج 1/ 94، البحر الرائق ج 2/ 13، الجامع الصغير لمحمد ين الحسن ج 1/ 119 المغني ج 2/ 206، نيل الأوطار ج 4/ 82، تحفة الأحوذي ج 4/ 112)