الصفحة 29 من 33

وقال القرطبي رحمه الله: وقد اختلف العلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم، فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة لحديث جابر - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ادفنوهم بدمائهم يعني يوم أحد ولم يغسلهم) رواه البخاري، وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) ، وبهذا قال أحمد وإسحاق والأوزاعي وداود بن علي وجماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث وابن علية، وقال سعيد بن المسيب والحسن: يغسلون، قال أحدهما: إنما لم تغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك، قال أبو عمر: ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلا عبيد الله بن الحسن العنبري، وليس ما ذكروا من الشغل عن غسل شهداء أحد علة لأن كل واحد منهم كان له ولى يشتغل به ويقوم بأمره، والعلة في ذلك والله أعلم ما جاء في الحديث في دمائهم أنها تأتي يوم القيامة كريح المسك فبان أن العلة ليست الشغل كما قال من قال في ذلك، وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر وإنما هي مسألة أتباع للأثر الذي نقله الكافة في قتلى أحد لم يغسلوا، وقد احتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب الحسن بقوله عليه السلام في شهداء أحد (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) قال: وهذا يدل على خصوصهم وأنه لا يشركهم في ذلك غيرهم، قال أبو عمر: وهذا يشبه الشذوذ والقول بترك غسلهم أولى لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتلى أحد وغيرهم وروى أبو داود عن جابر - رضي الله عنه - قال: رمى رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.اهـ [1]

حكم الصلاة على الشهداء.

ثبت في حديث جابر بن عبد الله السابق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صلى على الشهداء يوم أحد ولم يرد أنه صلى عليهم في غيرها من المعارك، وقد قال بعض العلماء: إن الشهيد يصلى عليه مثل سائر الموتى واحتجوا في ذلك بما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أتي بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة وحمزة كما هو يُرفَعون وهو كما هو موضوع، ولكن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به لضعفه [2] ، ولأن أنس بن مالك - رضي الله عنه -

(1) تفسير القرطبي ج 4/ 270 ـ 271

(2) أحاديث الصلاة على شهداء أحد وحمزة لا تخلو من مقال وضعف والذي وقفت عليه منها ما يلي: عن أنس - رضي الله عنه - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى على جنازة كبر عليها أربعا و أنه كبر على حمزة سبعين تكبيرة) وهذه الرواية فيها سعيد بن ميسرة قال عنه البخاري: عنده مناكير، وقال ابن عدي: هو مظلم الأمر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وله علة أخرى فهو من رواية إسماعيل بن عياش قال الدارقطني: لم يرو هذا الحديث غير إسماعيل بن عياش وهو مضطرب الحديث عن غير الشاميين. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح والطبراني في معجمه والبيهقي في السنن عن زيد بن أ بي زياد عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أتى بهم ـ أي الشهداء ـ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة وحمزة كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع) وهذه الرواية فيها يزيد بن أبي زياد قال فيه ابن المبارك: ارم به، وقال البخاري: منكر الحديث ذاهب، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال بن الجوزي رحمه الله: ويزيد بن أبي زياد منكر الحديث، وقد تعقب الذهبي الحاكم في تصحيحه لهذات الحديث وقال: لا يحتج به، وقال البيهقي: هكذا رواه يزيد بن أبي زياد وحديث جابر أنه لم يصل عليهم أصح. وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبي حماد الحنفي واسمه المفضل بن صدقة عن بن عقيل قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: فقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمزة حين قام الناس من القتال فقال رجل: رايته عند تلك الشجرات فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه فلما رآه ورأى ما مثل به شهق وبكي، فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب، ثم جئ بحمزة فصلى عليه، ثم جئ بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فصلى عليهم ثم يرفعون ويترك حمزة، حتى صلى على الشهداء كلهم، وقال - صلى الله عليه وسلم - (حمزة سيد الشهداء عند الله يوم القيامة) قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: أبو حماد الحنفي قال النسائي فيه: متروك. وللحديث طريق آخر رواه ابن ماجة وابن هشام في السيرة عن بن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى بن عباس عن بن عباس رضي الله عنهما قال: (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمزة فجئ ببردة ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة يصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة) قال السهيلي في الروض الأنف: قول بن إسحاق في هذا الحديث حدثني من لا أتهم إن كان هو الحسن بن عمارة كما قاله بعضهم فهو ضعيف بإجماع أهل الحديث، وإن كان غيره فهو مجهول ولم يرو عن النبي أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية ولا في مدة الخليفتين من بعده. انتهى كلامه، وقد ورد مصرحا فيه بالحسن بن عمارة كما رواه موسى بن طارق الزبيدي في سننه عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن بن عباس فذكر الحديث بطوله، قال ابن قدامة: وهو من رواية الحسن بن عمارة وهو ضعيف، وقد أنكر عليه شعبة رواية هذا الحديث، وقال: إن جرير بن حازم يكلمني في أن لا أتكلم في الحسن بن عمارة وكيف لا أتكلم فيه وهو يروي هذا الحديث. وللحديث رواية أخرى مرسلة أخرجها أبو داود في مراسيله عن حصين عن أبي مالك الغفاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة انتهى، قال البيهقي: وهذا الحديث مع إرساله لا يستقيم كما قاله الشافعي قال: كيف يستقيم أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على حمزة سبعين صلاة إذا كان يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم وشهداء أحد إنما كانوا اثنين وسبعين شهيدا، فإذا صلى عليهم عشرة عشرة فالصلاة إنما تكون سبع صلاة أو ثمانيا فمن أين جاءت سبعون صلاة؟ قال البيهقي: وأما رواية بن إسحاق عن بعض أصحابه عن مقسم عن بن عباس فذكر نحو ذلك فهو منقطع ولا يعرج بما يرويه بن إسحاق إذا لم يذكر اسم راوية لكثرة روايته عن الضعفاء المجهولين ولا أشبه أن تكون الروايتان غلطا لمخالفتهما الرواية الصحيحة عن جابر أنه عليه السلام لم يصل عليهم وهو كان قد شهد القصة. (راجع: التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي ج 2/ 9، نصب الراية للزيلعي ج 2/ 309 ـ 310)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت