الصفحة 28 من 33

القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك) وفي بعض الروايات (زملوهم بدمائهم ولا تغسلوهم فإنه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا وهو يأتي يوم القيامة وأوداجه تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك) وهذه الرواية أعم، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بغسلهم وبين المعنى وهو أنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما فلا يزال عنهم الدم ليكون شاهدا لهم يوم القيامة، وبه تبين أن ترك غسل الشهيد من باب الكرامة له وإن الشهادة جعلت مانعة عن حلول نجاسة الموت كما في شهداء أحد، وما ذكر من تعذر غير سديد لما بينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يزملوهم بدمائهم وبين المعنى، ولأن الجراحات التي أصابتهم لما لم تكن مانعة لهم من الحفر والدفن كيف صارت مانعة من الغسل وهو أيسر من الحفر والدفن، ولأن ترك الغسل لو كان للتعذر لأمر أن يتيمموا كما لو تعذر غسل الميت لعدم الماء، والدليل عليه أنه كما لم تغسل شهداء أحد لم تغسل شهداء بدر والخندق وخيبر، وما ذكر من التعذر لم يكن يومئذ ولذا لم يغسل عثمان وعمار وكان بالمسلمين قوة، فدل أنهم ما فهموا من ترك الغسل على القتلى ما فهم الحسن.

والثاني: أنه يكفن في ثيابه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (زملوهم بدمائهم) وقد روي (في ثيابهم) وروينا عن عمار وزيد بن صوحان أنهما قالا: لا تنزعوا عني ثوبا، وأنه ينزع عنه الجلد والسلاح والفرو والحشو والخف والمنطقة والقلنسوة، وعند الشافعي لا ينزع عنه شيء مما ذكرنا لقوله - صلى الله عليه وسلم - (زملوهم بثيابهم) ، ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: (تنزع عنه ما يباع والخفين والقلنسوة) وهذا لأن ما يترك ليكون كفنا، والكفن ما يلبس للستر وهذه الأشياء تلبس إما للتجمل والزينة ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك فلم يكن شيء من ذلك كفنا، وبه تبين أن المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم - (زملوهم بثيابهم) الثياب التي يكفن بها وتلبس للستر، ولأن هذا عادة أهل الجاهلية فإنهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة وقد نهينا عن التشبه بهم.

ويزيدون في أكفانهم ما شاءوا وينقصون ما شاءوا لما روي أن حمزة - رضي الله عنه - كان عليه نمرة لو غطي رأسه بها بدت رجلاه ولو غطيت بها رجلاه بدا رأسه فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغطى بها رأسه ويوضع على رجليه شيء من الإذخر، وذاك زيادة في الكفن ولأن الزيادة على ما عليه حتى يبلغ عدد السنة من باب الكمال فكان لهم ذلك، والنقصان من باب دفع الضرر عن الورثة لجواز أن يكون عليه من الثياب ما يضر تركه بالورثة، فأما فيما سوى ذلك فهو همام من الموتى. اهـ [1]

(1) بدائع الصنائع ج 1/ 325 ـ 327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت