وقال مالك: لا يغسل لعموم الخبر وعن الشافعي كالمذهبين، ولنا ما روي أن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله) فقالوا: إنه جامع ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال، ولأنه غسل واجب لغير الموت فسقط بالموت كغسل النجاسة وحديثهم لا عموم له فإنه قضية في عين ورد في شهداء أحد وحديثنا خاص في حنظلة وهو من شهداء أحد، فيجب تقديمه ... إلى أن قال:
والبالغ وغيره سواء وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لأنه ليس من أهل القتال، ولنا أنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم أشبه البالغ، ولأنه أشبه البالغ في الصلاة عليه والغسل إذا لم يقتله المشركون فيشبهه في سقوط ذلك عنه بالشهادة، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وعمير بن أبي وقاص أخو سعد وهما صغيران، والحديث عام في الكل.
أما دفنه بثيابه فلا نعلم فيه خلافا وهو ثابت بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ادفنوهم بثيابهم) ، وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) ، وليس هذا بحتم لكنه الأولى، وللولي أن ينزع عنه ثيابه ويكفنه بغيرها، وقال أبو حنيفة لا ينزع عنه شيء لظاهر الخبر، ولنا ما روي أن صفية أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلا آخر فدل على أن الخيار للولي، والحديث الآخر يحمل على الإباحة والاستحباب. اهـ [1]
قال الكاساني رحمه الله: وأما حكم الشهادة في الدنيا فنقول: إن الشهيد كسائر الموتى في أحكام الدنيا وإنما يخالفهم في حكمين، أحدهما: أنه لا يغسل عند عامة العلماء، وقال الحسن البصري: يغسل لأن الغسل كرامة لبني آدم والشهيد يستحق الكرامة حسبما يستحقه غيره بل أشد فكان الغسل في حقه أوجب، ولهذا يغسل المرتث ومن قتل بحق فكذا الشهيد، ولأن غسل الميت وجب تطهيرا له ألا ترى أنه إنما تجوز الصلاة عليه بعد غسله لا قبله والشهيد يصلى عليه فيغسل أيضا تطهيرا له، وإنما لم تغسل شهداء أحد تخفيفا على الأحياء لكون أكثر الناس كان مجروحا لما أن ذلك اليوم كان يوم بلاء وتمحيص فلم يقدروا على غسلهم.
ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في شهداء أحد: (زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم
(1) راجع المغني ج 2/ 204 ـ 208.