وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله) فذكر فيها (الحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجمع) [1]
قال ابن حجر رحمه الله في شرح باب الشهادة سبع سوى القتل في صحيح البخاري: وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مالك من رواية جابر بن عتيك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يعود عبد الله بن ثابت - رضي الله عنه - فذكر الحديث وفيه (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من يقتل في سبيل الله ... ) الحديث وفيه (الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله) فذكر زيادة على حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (الحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجمع) وتوارد مع أبي هريرة في (المبطون والمطعون والغريق وصاحب الهدم) .
فأما صاحب ذات الجنب فهو مرض معروف ويقال له الشوصة، وأما المرأة تموت بجمع ـ فهو بضم الجيم وسكون الميم وقد تفتح الجيم وتكسر أيضا ـ وهي النفساء، وقيل: التي يموت ولدها ثم تموت بسبب ذلك، وقيل: التي تموت بمزدلفة وهو خطأ ظاهر، وقيل: التي تموت عذراء، والأول أشهر، قلت: حديث جابر بن عتيك أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن حبان، وقد روى مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - شاهدا لحديث جابر بن عتيك ولفظه (ما تعدون) وزاد فيه ونقص، فمن زيادته (ومن مات في سبيل الله فهو شهيد) ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - نحو حديث جابر بن عتيك ولفظه وفي (النفساء يقتلها ولدها جمعا شهادة) ، وله من حديث راشد بن حبيش نحوه وفيه (والسل) وهو بكسر المهملة وتشديد اللام، وللنسائي من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - (خمس من قبض فيهن فهو شهيد) فذكر فيهم النفساء، وروى أصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث سعيد بن زيد - رضي الله عنه - مرفوعا (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، وقال في الدين والدم والأهل مثل ذلك، وللنسائي من حديث سويد بن مقرن - رضي الله عنه - مرفوعا (من قتل دون مظلمته فهو شهيد ... إلى أن قال ابن حجر رحمه الله:
والذي يظهر أنه - صلى الله عليه وسلم - أعلم بالأقل ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك، وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة فإن مجموع ما قدمته مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة، وتقدم في باب من ينكب في سبيل الله حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - مرفوعا (من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله تعالى فهو شهيد) وكذا للدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (موت الغريب شهادة) ولابن حبان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (من مات مرابطا مات شهيدا) الحديث، وللطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا (المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد) ، وقال ذلك أيضا في (المبطون واللديغ والغريق والشريق والذي يفترسه السبع والخار عن دابته وصاحب الهدم وذات الجنب) ، ولأبي داود من حديث أم حرام رضي الله عنها (المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد) ، وقد تقدمت أحاديث فيمن طلب الشهادة بنية صادقة أنه يكتب شهيدا في باب تمني الشهادة، ويأتي في حديث فيمن صبر في الطاعون أنه شهيد، وتقدم حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - فيمن صرعته دابته وأنه عند الطبراني وعنده من حديث أبن مسعود - رضي الله عنه - بإسناد صحيح أن (من يتردى من رءوس الجبال ويغرق في البحار لشهيد عند الله) ، ووردت أحاديث أخرى في أمور أخرى لم أعرج عليها لضعفها.
قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء، قلت والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن حبشي - رضي الله عنه - وابن ماجة من حديث عمرو بن عنبسة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: (من عقر جواده وأهريق دمه) وروى الحسن بن علي الحلواني في كتاب المعرفة له بإسناد حسن من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: (كل موتة يموت بها المسلم) فهو أن الشهادة تتفاضل، ويتحصل مما ذكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة وهو من يقتل في حرب الكفار مخلصا، وشهيد الآخرة وهو من ذكر بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا. اهـ [2]
ثبت في الأحاديث الصحيحة عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدفن الشهداء في مكانهم الذي يقتلون فيه ولا يغسلهم كسائر الموتى وشهداء الآخرة [3] ، بل أمر - صلى الله عليه وسلم - أن يدفنوا بدمائهم وجراحاتهم التي قتلوا
(1) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان ومالك.
(2) فتح الباري ج 6/ 43 ـ 44.
(3) فائدة: قال ابن قدامة رحمه الله: فأما الشهيد بغير قتل كالمبطون والمطعون والغرق وصاحب الهدم والنفساء فإنهم يغسلون ويصلى عليهم لا نعلم فيه خلافا إلا ما يحكى عن الحسن لا يصلى على النفساء لأنها شهيدة، ولنا (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها) متفق عليه، وصلى على سعد بن معاذ وهو شهيد وصلى المسلمون على عمر وعلي رضي الله عنهما وهما شهيدان، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله) رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الشهادة سبع سوى القتل) وزاد على ما ذكر في هذا الخبر (صاحب الحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجمع شهيدة) وكل هؤلاء لا يغسلون ويصلى عليهم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك غسل الشهيد في المعركة لما يتضمنه من إزالة الدم المستطاب شرعا أو لمشقة غسلهم لكثرتهم أو لما فيهم من الجراح. (راجع المغني ج 2/ 207 ـ 208، الأم للشافعي ج 1/ 268)