وعمر - رضي الله عنه - لما طعنه أبو لؤلؤة حمل إلى بيته فعاش يومين ثم غسل وذلك بحضرة كبار الصحابة - رضي الله عنهم - [1] ، وكذلك علي - رضي الله عنه - حمل حيا بعد ما طعن ثم غسل [2] .
(1) روى أهل السنن والسير أن أبا لؤلؤة كان عبدا للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - وكان يصنع الأرحاء وكان المغيرة يستغله كل يوم بأربعة دراهم فلقي أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي غلتي فكلمه يخفف عني، فقال له عمر: اتق الله وأحسن إلى مولاك فغضب العبد وقال: وسع الناس كلهم عدلك غيري فأضمر على قتله، وتحين أبو لؤلؤة عمر فجاءه في صلاة الغداة حتى قام وراء عمر - رضي الله عنه - وكان عمر إذا أقيمت الصلاة يقول: أقيمو صفوفكم، فقال كما كان يقول فلما كبر وجأه أبو لؤلؤة في كتفه ووجأه في خاصرته فسقط عمر، وطعن بخنجره ثلاثة عشر رجلا فهلك منهم سبعة، وحمل عمر فذهب به إلى منزله وصاح الناس حتى كادت تطلع الشمس، فنادى الناس عبد الرحمن بن عوف يا أيها الناس الصلاة الصلاة، ففزعوا إلى الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم بأقصر سورتين في القرآن، فلما قضى صلاته توجهوا إلى عمر فدعا عمر بشراب لينظر ما قدر جرحه فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يدر أنبيذ هو أم دم؟ فدعا بلبن فشربه فخرج من جرحه فقالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن يكن القتل بأسا فقد قتلت، فجعل الناس يثنون عليه يقولون: جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين كنت وكنت ثم ينصرفون، ويجيء قوم آخرون فيثنون عليه فقال عمر - رضي الله عنه: أما والله على ما تقولون وددت أني خرجت منها كفافا لا علي ولا لي، فتكلم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وكان عند رأسه وكان خليطه كأنه من أهله وكان ابن عباس يقرئه القرآن، فتكلم ابن عباس فقال: لا والله لا تخرج منها كفافا لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصحبته وهو عنك راض بخير ما صحبه صاحب كنت له وكنت له وكنت له حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنك راض، ثم صحبت خليفة رسول الله فكنت تنفذ أمره وكنت له وكنت له، ثم وليتها ياامير المؤمنين أنت فوليتها بخير ما وليها وال وكنت تفعل وكنت تفعل، فكان عمر يستريح إلى حديث ابن عباس فقال له عمر: كرر علي حديثك فكرر عليه، فقال عمر: أما والله على ما تقول لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به اليوم من هول المطلع، قد جعلتها شورى في ستة: عثمان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وجعل عبد الله بن عمر معهم مشيرا وليس منهم وأجلهم ثلاثا وأمر صهيبا أن يصلي بالناس رحمة الله عليه ورضوانه (راجع: صحيح ابن حبان حديث رقم/6905، مستدرك الحاكم حديث رقم/4511، سنن البيهقي حديث رقم/ 5038، مصنف ابن أبي شيبة حديث رقم/ 37068، معجم الطبراني حديث رقم/ 579)
(2) روى أهل الصحاح والسنن والسير والتاريخ بعضهم باختصار وبعضهم تاما أن عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس وعابوا عليهم ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم فقالوا: والله ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا، قال ابن ملجم ـ وكان من أهل مصر ـ: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب، وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو بن بكر التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسموها وتواعدوا لسبع عشرة خلت من شهر رمضان أن يثب كل واحد على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب، فأما ابن ملجم المرادي فأتى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهية أن يظهروا شيئا من أمره وأنه لقي اصحابه من تيم الرباب وقد قتل علي منهم عدة يوم النهر فذكروا قتلاهم فترحموا عليهم، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن نجدة فقال: له هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي، قال ثكلتك أمك كيف تقدر على قتله؟ قال: أكمن له في السحر فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وزبرج أهلها، قال: ويحك لو غير علي كان أهون عليَّ، قد عرفت بلاءه في الإسلام وسابقته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أجدني أشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان العباد المصلين؟ قال: نعم، نقتله بما قتل من أخواننا، فأجابه وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فخرج لصلاة الغداة فجعل يقول الصلاة الصلاة فشد عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع السيف بعضادتي الباب أو بالطاق فشد عليه ابن ملجم فضربه على قرنه وهرب، وخرج شبيب نحو أبواب كندة فشد عليه الناس إلا أن رجلا يقال له عويمر ضرب رجله بالسيف فصرعه وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشى على نفسه فتركه فنجا بنفسه ونجا شبيب في غمار الناس، وخرج ابن ملجم فشد عليه رجل من همذان فضرب رجله فصرعه وتأخر علي ودفع في ظهر جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس الغداة، وشد عليه الناس من كل جانب، وقد كان علي - رضي الله عنه - قال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتل بي إلا قاتلي ثم أوصاه وصيته المشهورة (راجع: تاريخ الطبري ج 3/ 156 وما بعده، الاستيعاب لابن عبد البر ج 3/ 1123 وما بعدها، صفوة الصفوة ج 1/ 332 وما بعدها)