فأما عثمان - رضي الله عنه - فأجهز عليه في مصرعه ولم يغسل [1] ، فعرفنا بذلك أن الشهيد الذي لا يغسل من أجهز عليه في مصرعه دون من يحمل حيا ليمرض في خيمته أو في بيته.
قال الكاساني رحمه الله: ثم المرتث من خرج عن صفة القتلى وصار إلى حال الدنيا بأن جرى عليه شيء من أحكامها أو وصل إليه شيء من منافعها، وإذا عرف هذا فنقول من حمل من المعركة حيا ثم مات في بيته أو على أيدي الرجال فهو مرتث، وكذلك إذا أكل أو شرب أو باع أو ابتاع أو تكلم أو قام من مكانه ذلك أو تحول من مكانه إلى مكان آخر وبقي على مكانه ذلك حيا يوما كاملا أو ليلة كاملة وهو يعقل فهو مرتث، وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى إذا بقي وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة دينا في ذمته وهو يعقل فهو مرتث وإن بقي في مكانه لا يعقل فليس بمرتث،
(1) حديث حصار عثمان - رضي الله عنه - في داره رواه البخاري مختصرا ورواه تاما ومختصرا النسائي وأحمد وابن حبان والبيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة والترمذي ولفظه عنده عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألَّبَاكم عليَّ؟ فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال (من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة) فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة) فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم، ثم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض فركضه برجله وقال (اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) قالوا: اللهم نعم، قال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاث مرات، قال الترمذي: هذا حديث حسن وقد روي من غير وجه عن عثمان (راجع في حصاره ومقتله: صحيح البخاري ومسلم وابن حبان والمستدرك للحاكم وسنن الترمذي ومسند أبي عوانة وسنن النسائي والبيهقي والدارقطني ومسند أحمد ومعجم الطبراني الأوسط والكبير والسنة لابن أبي عاصم والتاريخ الكبير للبخاري والحلية لأبي نعيم وصفوة الصفوة لابن الجوزي والطبقات الكبرى لابن سعد وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل)