الصفحة 12 من 33

وقال محمد رحمه الله تعالى إن بقي يوما فهو مرتث ولو أوصى كان ارتثاثا عند أبي يوسف رحمه الله تعالى خلافا لمحمد وقيل لا خلاف بينهما في الحقيقة فجواب أبي يوسف رحمه الله تعالى خرج فيما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا وذلك يوجب الارتثاث بالإجماع لأن الوصية بأمور الدنيا من أحكام الدنيا ومصالحها فينقض ذلك معنى الشهادة، وجواب محمد رحمه الله تعالى محمول على ما إذا أوصى بشيء من أمور الآخرة وذلك لا يوجب الارتثاث بالإجماع كوصية سعد بن الربيع وهو ما روي أنه لما أصيب المسلمون يوم أحد ووضعت الحرب أوزارها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (هل من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع) فنظر عبد الله بن عبد الرحمن من بني النجار فوجده جريحا في القتلى وبه رمق فقال له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات فقال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك خير ما يجزي نبي عن أمته وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعدا يقول لا عذر لكم ثم الله تعالى أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات فلم يغسل وصلي ... إلى أن قال:

ثم المرتث وإن لم يكن شهيدا في حكم الدنيا فهو شهيد في حق الثواب حتى أنه ينال ثواب الشهداء كالغريق والحريق والمبطون والغريب أنهم شهداء بشهادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم بالشهادة وإن لم يظهر حكم شهادتهم في الدنيا. اهـ [1]

وفي شرح قول الخرقي: (وإن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه) قال ابن قدامة رحمه الله: معنى قوله رمق أي حياة مستقرة فهذا عليه وإن كان شهيدا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فحمل إلى المسجد فلبث فيه أياما حتى حكم في بني قريظة ثم انفتح جرحه فمات وظاهر كلام الخرقي أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلي عليه وإن مات في المعترك أو عقب حمله لم يغسل ولم يصل عليه ونحو هذا قول مالك قال إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة غسل، وقال أحمد في موضع إن تكلم أو أكل أو شرب صلي عليه، وقول أصحاب أبي حنيفة نحو من هذا، وعن أحمد أنه سئل عن المجروح إذا بقي في المعترك يوما إلى الليل ثم مات فرأى أن يصلي عليه، وقال أصحاب الشافعي إن مات حال الحرب لم يغسل ولم يصل عليه وإلا فلا، والصحيح التحديد بطول الفصل أو الأكل لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك وقد ثبت اعتباره في كثير من المواضع.

(1) السابق، راجع: الهداية شرح البداية ج 1/ 94، البحر الرائق ج 2/ 13، الجامع الصغير لمحمد بن الحسن ج 1/ 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت