الصفحة 13 من 33

وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشيء منها لأنه يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد: (من ينظر ما فعل سعد بن الربيع) فقال رجل: أنا أنظر لك يا رسول الله فنظر فوجده جريحا به رمق فقال له إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات، قال: فأنا في الأموات فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني السلام) وذكر الحديث، قال: ثم لم أبرح أن مات، وروي أن أصيرم بن عبد الأشهل وجد صريعا يوم أحد فقيل له ما جاء بك؟ قال: أسلمت ثم جئت، وهما من شهداء أحد دخلا في عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ادفنوهم بدمائهم وثيابهم) ولم يغسلهم ولم يصل عليهم وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب، وفي قصة أهل اليمامة عن ابن عمر أنه طاف في القتلى فوجد أبا عقيل الأنفي قال فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل فخرج الماء من جراحاته كلها فلم يغسل، وفي فتوح الشام أن رجلا قال: أخذت ماء لعلي أسقي ابن عمي إن وجدت به حياة فوجدت الحارث بن هشام فأردت أن أسقيه، فإذا رجل ينظر إليه، فأومأ لي أن أسقيه فذهبت إليه لأسقيه، فإذا بآخر ينظر إليه فأومأ إلي أن أسقيه، فلم أصل إليه حتى ماتوا كلهم، ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة وقد ماتوا بعد انقضاء الحرب. اهـ [1]

فأما ما ورد في فضل الشهادة من أدلة في الكتاب والسنة فكثير ومنها:

قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) [2]

فقد بين الله تبارك وتعالى أن القتل الذي يحذر الناس منه ليس مما يحذر بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون وذلك إثر بيان أن الحذر لا يجدي ولا يغني من القدر، فبين الله تعالى في الآية الكريمة ما أعده للشهداء الذين يقتلون في سبيله من الكرامة والنعيم والفضل بما يحفز غيرهم على الجهاد في سبيل الله ولا يزهدهم فيه، فبين تعالى أن الشهداء وإن رآهم الناس قد ماتت أجسادهم فإن أرواحهم حية تسرح في أنهار الجنة ونعيمها حيث شاءت وتأكل من ثمارها ثم تأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن تعالى بحيث أنهم لا يتمنون على الله شيئا حين يسألهم لأنهم قد حصلوا منتهى النعيم والكرامة التي لا شيء بعدها.

(1) المغني ج 2/ 206 ـ 208.

(2) سورة آل عمران، الآيات/169: 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت