روايات الحديث، ولو كانت الصلاة عليهم واجبة مثل سائر الموتى لما أخرها - صلى الله عليه وسلم - كل هذه المدة، والشاهد أنه لو كانت الصلاة على الشهداء سنة ماضية لنقلت إلينا، خاصة مع توفر الدواعي لنقل المعارك وأحوال القتلى وقد نقل ما هو دون ذلك.
قال ابن قدامة رحمه الله في شرح قول الخرقي (والشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل ولم يصل عليه) : فأما الصلاة عليه فالصحيح أنه لا يصلى عليه وهو قول مالك والشافعي وإسحاق، وعن أحمد رواية أخرى أنه يصلى عليه واختارها الخلال، وهو قول الثوري وأبي حنيفة إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة عليه واجبة، قال في موضع: إن صلي عليه فلا بأس به، وفي موضع آخر قال: يصلى وأهل الحجاز لا يصلون عليه وما تضره الصلاة لا بأس به، وصرح بذلك في رواية المروذي فقال: الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ بالحق الروايتين في استحباب الصلاة لا في وجوبها، إحداهما يستحب لما روى عقبة - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر) [1] ، وعن ابن عباس (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد) .
ولنا ما روى جابر - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم) ، ولأنه لا يغسل مع إمكان غسله فلم يصل عليه كسائر من لم يغسل، وحديث عقبة - رضي الله عنه - مخصوص بشهداء أحد فإنه صلى عليهم في القبور بعد ثماني سنين وهم لا يصلون على القبر أصلا، ونحن لا نصلي عليه بعد شهر ... إلى أن قال:
وأما سقوط الصلاة عليهم فيحتمل أن تكون علته كونهم أحياء عند ربهم والصلاة إنما شرعت في حق الموتى، ويحتمل أن ذلك لغناهم عن الشفاعة لهم فإن الشهيد يشفع في سبعين من أهله فلا يحتاج إلى شفيعه، والصلاة إنما شرعت للشفاعة. اهـ [2]
قال الكاساني رحمه الله: وقال الشافعي أنه لا يصلى عليه كما لا يغسل، واحتج بما روي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صلى على أحد من شهداء أحد، ولأن الصلاة على الميت شفاعة له
(1) روى البخاري عن عقبة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف على المنبر فقال (إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) ورواه مسلم عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتلى أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال: (إني فرطكم على الحوض وإن عرضه كما بين آيلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم) قال عقبة - رضي الله عنه: فكانت آخر ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر.
(2) راجع المغني ج 2/ 204 ـ 208، راجع الأم للشافعي ج 1/ 268.