الصفحة 32 من 33

ودعاء لتمحيص ذنوبه والشهيد قد تطهر بصفة الشهادة عن دنس الذنوب على ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (السيف محاء للذنوب) فاستغنى عن ذلك كما استغنى عن الغسل، ولأن الله تعالى وصف الشهداء بأنهم أحياء في كتابه والصلاة على الميت لا على الحي.

ولنا ما روي (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على شهداء أحد صلاة الجنازة) حتى روي (أنه صلى على حمزة سبعين صلاة) [1] وبعضهم أولوا ذلك بأنه كان يؤتي بواحد واحد فيصلي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحمزة - رضي الله عنه - بين يديه فظن الراوي أنه كان يصلي على حمزة في كل مرة فروي أنه صلى عليه سبعين صلاة، ويحتمل أنه كان ذلك على حسب الرواية وكان مخصوصا بتلك الكرامة، وما روي عن جابر - رضي الله عنه - صحيح وقيل أنه كان يومئذ مشغولا فإنه قتل أبوه وأخوه وخاله فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى المدينة فلم يكن حاضرا حين صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم، فلهذا روي ما روي ومن شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد روي أنه صلى عليهم، ثم سمع جابر منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تدفن القتلى في مصارعهم فرجع فدفنهم فيها، ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته، ولهذا اختص بها المسلمون دون الكفرة والشهيد أولى بالكرامة.

وما ذكر من حصول الطهارة بالشهادة فالعبد وإن جل قدره لا يستغني عن الدعاء ألا ترى أنهم صلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا شك أن درجته كانت فوق درجة الشهداء، وإنما وصفهم بالحياة في حق أحكام الآخرة ألا ترى إلى قوله تعالى (بل أحياء عند ربهم يرزقون) ، فأما في حق أحكام الدنيا فالشهيد ميت يقسم ماله وتنكح امرأته بعد انقضاء العدة ووجوب الصلاة عليه من أحكام الدنيا فكان ميتا فيه فيصلى عليه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. اهـ [2]

وقال القرطبي رحمه الله: وأما الصلاة عليهم فاختلف العلماء في ذلك أيضا فذهب مالك والليث والشافعي وأحمد وداود إلى أنه لا يصلى عليهم لحديث جابر - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: (أيهما أكثر أخذا للقرآن) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم، وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يصلى عليهم ورووا آثارا كثيرة أكثرها مراسيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على حمزة - رضي الله عنه - وعلى سائر شهداء أحد. اهـ [3]

(1) سبق بيان ضعف الحديث وأنه لا يصلح للاحتجاج.

(2) بدائع الصنائع ج 1/ 325 ـ 327.

(3) راجع تفسير القرطبي ج 4/ 270 ـ 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت