فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 255

بالنسبة إلى مضرته ونازعهم آخرون وقالوا القسمة تقتضي إمكان هذين القسمين والوجود يدل على وقوعهما فإن معرفة الله ومحبته والإيمان به خير محض من كل وجه لا مفسدة فيها بوجه ما قالوا ومعلوم أن الجنة خير محض لا شر فيها أصلا وإن النار شر محض لا خير فيه أصلا وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة فما المخل بوجودهما في الدنيا قالوا أيضا فالمخلوقات كلها منها ما هو خير محض لا شر فيه أصلا كالأنبياء والملائكة ومنها هو شر محض لا خير فيه أصلا كإبليس والشياطين ومنها ما هو خير وشر وأحدهما غالب على الآخر فمن الناس من يغلب خيره على شره ومنهم من يغلب شره على خيره فهكذا الأعمال منها ما هو خالص المصلحة وراجحها وخالص المفسدة وراجحها هذا في الأعمال كما أن ذلك في العمال قالوا وقد قال تعالى في السحرة ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم فهذا دليل على أنه مضرة خالصة لا منفعة فيها إما لأن بعض أنواعه مضرة خالصة لا منفعة فيها بوجه فما كل السحر يحصل غرض الساحر بل يتعلم مائة باب منه حتى يحصل غرضه باب والباقي مضرة خالصة وقس على هذا فهذا من القسم الخالص المفسدة وإما لأن المنفعة الحاصلة للساحر لما كانت مغمورة مستهلكة في جنب المفسدة العظيمة فيه جعلت كلا منفعته فيكون من القسم الراجح المفسدة وعلى القولين فكل مأمور به فهو راجح المصلحة على تركه وإن كان مكروها للنفوس قال تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فبين أن الجهاد الذي أمروا به وإن كان مكروها للنفوس شاقا عليها فمصلحته راجحة وهو خير لهم وأحمد عاقبة وأعظم فائدة من التقاعد عنه وإيثار البقاء والراحة فالشر الذي فيه مغمور بالنسبة إلى ما تضمنه من الخير وهكذا كل منهي عنه فهو راجح المفسدة وإن كان محبوبا للنفوس موافقا للهوى فمضرته ومفسدته أعظم مما فيه من المنفعة وتلك المنفعة واللذة مغمورة مستهلكة في جنب مضرته كما قال تعالى (وإثمهما أكبر من نفعهما وقال وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) وفصل الخطاب في المسألة إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشوبها مفسدة فلا ريب في وجودها وإن أريد بها المصلحة التي لا يشوبها مشقة ولا أذى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها فليست بموجودة بهذا الاعتبار إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن من آثر الراحة فاتته الراحة وأن بحسب ركوب الأهوال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد قليلا استراح طويلا وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة والله المستعان ولا قوة إلا بالله وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلى كان تعب البدن أوفر وحظه من الراحة أقل كما قال المتنبي ... وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام وقال ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت