لقائل أن يقول يحددها علماء الإسلام مجمعين ولو في كل قطر خصوصًا إذا كان الأمر يخص المسلمين جميعًا .. وليست فتيا تخص آحاد الناس .. ومع ذلك ينبغي مرعاة ما يلي مما قرره أهل العلم في شروط المصلحة المعتبرة قبل تقريرها على العباد:
أولًا: ألا تكون المصلحة مصادمة لنص أو إجماع
ثانيًا: أن تعود المصلحة على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة
ثالثًا: ألا تكون المصلحة في الأحكام الثابتة التي لا تتغير ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها وما لا يجوز الاجتهاد فيه
رابعًا: ألا تعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها .. وألا يستلزم العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها ..
خامسًا: أن تكون مصلحة حقيقة لا وهمية ..
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة في معرض حديثه عن الأعمال خصوصا ومراتبها في الحسن والقبح والثاني في الموجودات عموما ومراتبها في الخير والشر:
(أما المقام الأول فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة .. أو راجحة وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة .. أو راجحة .. وإما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها .. فهذه أقسام خمسة .. منها أربعة تأت بها الشرائع فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به مقتضية له وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة ولراجحه أو تكميلهما بحسب الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة وتنازع الناس هنا في مسألتين:
المسألة الأولى في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فمنهم من منعه وقال لا وجود له قال لأن المصلحة هي النعيم واللذة وما يفضي إليه والمفسدة هي العذاب والألم وما يفضي إليه قالوا والمأمور به لا بد أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصبر على نوع من الألم وإن كان فيه لذة سرور وفرح فلا بد من وقوع أذى لكن لما كان هذا مغمورا بالمصلحة لم يلتفت إليه ولم تعطل المصلحة لأجله فترك الخير الكثير الغالب لأجل الشر القليل المغلوب شر كثير قالوا وكذلك الشر المنهي عنه إنما يفعله الإنسان لأن له فيه غرضا ووطرا ما وهذه مصلحة عاجلة له فإذا نهى عنه وتركه فأتت عليه مصلحته ولذته العاجلة وإن كانت مفسدته أعظم من مصلحته بل مصلحته مغمورة جدا في جنب مفسدته كما قال تعالى في الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فالربا والظلم والفواحش والسحر وشرب الخمر وإن كانت شرورا ومفاسد ففيها منفعة ولذة لفاعلها ولذلك يؤثرها ويختارها وإلا فلو تجردت مفسدتها من كل وجه لما أثرها العاقل ولا فعلها أصلا ولما كانت خاصة العقل النظر إلى العواقب والغايات كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة وإن كانت فيه لذة ما ومنفعة يسيرة