(قال اللهُ تعالى [(1) ] : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...} الآية (2) ) افتتحَ[ (3)
(1) قوله: قال الله تعالى؛ أي في سورة المائدة، مبيّنًا لحكمِ الوضوءِ والتيمّم والغسل: {يا أيّها الذين آمنوا} أنزلت هذه الآية سنةَ أربع أو خمس من الهجرةِ في غزوة بني المصطلق، وبها شرعَ التيمّم، وأمّا الوضوءُ والغسلُ فقد كان مشروعًا قبل ذلك من حين فرضيَّة الصلاة، لكن لم يكن وردَ الأمرَ به في القرآنِ صريحًا، ومثل هذه الخطاب يشملُ الرجالَ والنساء، ويخصّ منه غير المكلَّفين بدلالة العقل: إذا قمتم إلى الصلاة؛ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ أي توجّهتم إليه وقصدتم أداءه؛ يعني وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم؛ أي ليغسل كلّ منكم وجهه، وأيديكم؛ عطف على وجوهكم، إلى المرافق؛ الغايةُ داخلةٌ في المغيا عند الجمهور، وامسحوا؛ أي الأيدي برؤوسكم، هذا عطفُ الجملةِ على الجملة: وأرجلكم إلى الكعبين، قرأ نافع وابن عامر والكسائيّ ويعقوب وحفص بنصب اللام، وقرأ الآخرون بجرّها، أمّا القراءة الأولى فتفيد بظاهرها افتراضُ غسلِ الرجلين؛ لأنّ أرجلكم حينئذٍ معطوف على وجوهكم، ويحتمل إفادةُ المسح بأن يكون معطوفًا على محلِّ رؤوسكم، والثانيةِ بظاهرها تفيد المسح؛ لكونه حينئذٍ معطوفًا على رؤوسكم، ويحتمل إفادةُ الغسلِ بأن يكون حينئذٍ أيضًا معطوفًا على الوجوه، ويكون الجرّ للجواز، ومن هاهنا اختلفَ المذاهبُ فيه، وقد دلَّت الأحاديثُ بالطرقِ المتكاثرةِ على افتراضِ الغسل، وعدم إجزاء المسح، وهو الذي أجمعت عليه أهل السنّة والجماعة، ومَن شذَّ عن الجماعة، شذَّ في الضلالة، وتفصيل هذا البحث مع باقي المباحثِ المتعلَّقة بهذه الآية في (( السعاية ) ).
(2) من سورة المائدة، الآية (6) ، وتتمتها: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ...} .
(3) قوله: افتتح....الخ؛ في اختيار هذه اللفظة على ابتداء ونحوه تفاؤلٌ وبشارةٌ للشارعِ في بحصول الفتح، هذا دفعُ سؤال يردُ على المصنَّف بأن عنوانَ (كتاب الطهارة) يدلّ على أنّ المذكورَ فيه هو الأحوال المتعلّقة بالطهارة ومسائلها، فإيرادُ هذه الآيةِ هاهنا في غير موضعه، وبوجه آخر: الكتابُ موضوعٌ لذكرِ مسائلِ الفقه، لا لذكرِ الدلائل، فما وجه إيرادِ هذه الآية التي هي من الدلائل، ويجابُ عنه بوجوه مبيّنة لنكت إيراد هذه الآية، منها: إنّه افتتح بهذه الآية إشارةً إلى أنّه ينبغي للفقيه أن يعتنيَ بشأن الدليل، فإنّ مَن ليست له ملكةُ الاستنباطِ من الدليل لا يسمّى فقيهًا، ومنها: إنّ الحكمَ إنّما يكون مقبولًا إذا ثبتَ عن دليلٍ شرعيّ، إذ لا مدخلَ للرأي في الأحكام، فابتدأ بالآية التي هي دليلُ ما يذكرُ بعدها، ليكون الحكمُ في أوّل ورودِهِ على ذهن المتعلّم مقبولًا عنده، ومنها ما ذكرَه الشارحُ بقولِهِ: تيمّنًا؛ أي للتبرّك، ومنها ما ذكرَه بقوله: ولأنّ...الخ، ويرد على الدليلِ الأوّل أنّ التيمّن يحصلُ لغير هذه الآية أيضًا، فالدليلُ غير تامّ، فإنّ الدعوى إنّما هي الافتتاحُ بهذه الآية، وأيضًا التيمّن لا يتوقّف على الافتتاح، فإنّه لو ذكرَه في الوسط أيضًا لحصل التيمّن، والجواب أنّ المرادَ التيمّن في بدء الكلام لا المطلق، والتيمن دليل للافتتاح المطلق لا المقيّد، وفيه ضعف ظاهر، والأولى أن يقال: إنّ التنوينَ في التيمّن للنوعيّة، والمرادُ التيمّن باللفظِ والمعنى جميعًا، والتيمّن اللفظيّ وإن كان يحصلُ لغيرها أيضًا، لكنَّ المعنويّ خاصّ بها، لما فيه من بمعنى الغسل المطهّر عن النجاسات الحقيقة والحكميّة، فيتوسّل بذكره إلى أن يجعلَ مغسولًا من الذنوبِ الدنيئة.