الصفحة 206 من 4657

بسم الله الرحمن الرحيم

[ (1) ] الحمدُ للهِ ربِّ العالمين [ (2) ] ، والصَّلاةُ [ (3) ] على [خيرِ خلقِهِ] [ (4)

(1) قوله: بسم الله الرحمن الرحيم؛ ابتدأ به كتابه اتباعًا بخير الكلام، واقتفاءً للإجماع الفعليّ من الكلام، وامتثالًا لقولِه عليه الصلاة والسلام: (( كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع ) )، أخرجه عبد القادر الرهاويّ في (( أربعينه ) )من حديث أبي هريرةَ - رضي الله عنهم -. كذا نسبه السيوطيّ إليه في (( الجامع الصغير ) )، ونسبه السيوطيّ أيضًا في (( تدريب الراوي شرح تقريب النواوي ) )إلى ابن حبّان، وفي رواية نسبَها علي القاريّ المكيّ في (( مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ) )إلى جامع الخطيب البغداديّ: (( كلّ أمر ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر ) )، وهل البسملة جزءٌ من الكتبِ المفتتح بها، اختلفوا فيه: والحقّ أنّ الباءَ في الحديث إن جعلَ صلةً للبدايةِ فالجزئيّة أظهر، وإن كان معناه مستعينًا أو متبركًّا ببسم الله، فعدمُ الجزئية أظهر، وأظهرهما هو الآخر، وبه يندفع الإشكالُ بالتعارضِ بين حديثي الابتداءِ بالبسملة وبالحمدلة، وله أجوبة أخرى، مذكورة في مواضعها.

(2) قوله: الحمد لله رب العالمين؛ فيه اقتباسٌ من خير الكلام، واتّباع به، وامتثال لحديث: (( كلّ أمرٍ ذى بال لا يبدأ فيه بحمدِ الله فهو أقطع ) )، أخرجه أبو داود وابن حبّان وابن ماجة والنسائيّ، وفي رواية ابن أبي شيبة: (( لا يبدأ فيه بالحمد لله ) )، وفي رواية: (( فهو أجذم ) )، وفي رواية الرهاويّ: (( لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع ) ).

(3) قوله: والصلاة؛ فيه امتثالٌ لحديث: (( كلّ أمرٍ ذى بالٍ لا يبدأ فيه بحمدِ الله والصلاةُ عليّ فهو أقطعٌ أبترٌ ممحوقٌ من كلّ بركة ) )، أخرجه الرهاويّ في (( الأربعين ) )، والديلميّ في (( مسند الفردوس ) )، وفي سنده ضعف لكن يعمل به في الفضائل.

(4) قوله: على رسوله؛ قد يتوهّم أنّ الصلاة لغةً مرادف للدعاء، وقد تقرَّر أنّ الدعاء إذا كانت صلته كلمة على، يدلّ على دعاء الشر، يقال: دعا له في الخير، ودعا عليه في الشرّ، فكيف تصحّ تعديةُ الصلاة بعلى، وجوابه: إنّ ما ذكرَه في لفظِ الدعاء صحيح، وأمّا في لفظ الصلاة فكلا، ألا ترى إلى

قوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليمًا} ، ووردت صيغ الصلاة في الروايات الحديثية: (( اللهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد ) )، والوجه في ذلك أنّ الصّلاة وإن كانت مرادفةً للدعاء لغة لكن لا يجب تساوي المترادفين في جميع الأحكام، ولا يلزم أنّ تصح إقامة كلّ منهما مقامَ الآخر، فالدّعاء إذا كان متّصلًا بعلى وان أفاد الدعاء بالشرّ، لكن لا يلزم أن يكونَ لفظ الصلاة أيضا كذلك، وإنّما اختارَ لفظ الرسولّ على لفظ النبيّ، لما اشتهرَ من أنَّ الرسولَ خاصّ والنبي أعمّ؛ فإنّه يشترطُ في الرسول أن يكونَ معه كتاب جديد وشريعةٌ متجدّدة، ولا كذلك النبيّ، ففي الرسول من العظمة والفخامة ما ليس في النبيّ، وفيه مذاهب أخر، فقيل: هما متساويان، وقيل: هما متباينان وقيل غير ذلك، وقد فصّلت المذاهبَ مع شواهدها في (( الهداية المختاريّة شرح الرسالة العضدية ) )في علم المناظرة، واعلم أنّ جملة الحمد يحتملُ أن تكون إخباريّة، ويحتمل أن تكون انشائية في صورة الإخبارية، وأمّا جملة الصلاة فهي إنشائيّة قطعًا، وإن كانت خبرية صورة، وذلك لأنّ الامتثالَ بأوامرِ الحمد، والصلاة إنّما يحصلُ بإنشائها لا تجبّرها وحكايتها، لكن لمّا كان الإخبارُ بالحمدِ متضمًّنا لإنشاءِ الحمد أمكن فيه الأمران، ولا كذلك الصلاة، فإنّ الإخبارِ بالصلاة ليس بصلاة لا صراحةً ولا تضمنًا، فلم يبقَ فيه إلا أحد الاحتمالين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت