الصفحة 3142 من 4657

كتاب الشهادة والرجوع عنها[ (1)

(1) قوله: كتاب الشهادةِ والرجوع عنها؛ اعلم أنَّ المتبادرَ كان تقديم مسائلِ الشهادةِ على القضاء؛ لأنَّ القضاءَ موقوفٌ على الشهادة، إذا كان ثبوتُ الحقِّ بها، لكن أخّرها؛ لأنَّ القاضي يحتاجُ إليها عند الإنكار، فكان ذلك من تتمَّة حكمِه، أو لأنَّ الشهادةَ إنّما تقبلُ في مجلسِ القضاء، ولا تكون ملزمةً بدون القضاء.

والرجوعُ عن الشهادةِ وإن كان رفعًا للشهادة، لكنّه داخلٌ تحتها: كدخول نواقضِ الطَّهارةِ في الطهارة؛ ولذا أوردَه في (كتاب الشهادة) ، وذكرَه صاحب (( الهداية ) ) (3: 132) في كتابٍ على حدة؛ نظرًا إلى أنّه مبائنٌ لها، ومبائنُ الشيء قسم برأسهِ غير مندرجٍ تحته، والشهادة: خبر درست واكَاهي قاطع وكشتكَي ورداه خداي تعالى. كذا في (( منتهى الأرب ) ).

يقال: شهدتُ الشيء: اطَّلعتُ عليه وعاينتُه، وأنا شاهد، والجمعُ أشهادٌ وشهود، مثل شريف وأشراف، وقاعدٌ وقعود، ويعدَّى بالهمزة، فيقال: أشهدتُه الشيء، وشهدتُ العيدَ أدركتُه وشاهدتُهُ مشاهدةً، مثل: عاينتُهُ معاينةً وزنًا ومعنىً، وشهدَ بالله: حلف، وشهدتُ المجلس: حضرتُه فأنا شاهدٌ، وشهيدٌ أيضًا وعليه قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] ؛ أي مَن كان حاضرًا في الشهر مقيمًا غيرَ مسافرٍ فليصمْ ما حضرَ وأقام فيه، وأشهدَ بكذا شهادةً يتعدَّى بالباء؛ لأنّه بمعنى أخبر به، قال ابنُ فارس: الشهادةُ: الإخبارُ بما قد شُوهد. كذا في (( المصباح المنير ) ) (ص324) ، وإن شئتَ زيادةَ التفصيلِ فارجعْ إليه.

وفي الشريعة: ما ذكرَه المصنّف - رضي الله عنه - بقوله: هي إخبارٌ بحقٍّ للغير على آخر.

شروطها كثيرة، تأتي في أثناءِ المسائل إن شاء الله تعالى، حتى قال صاحبُ (( البحر ) ) (57) : إنَّ شرائطها: أحد وعشرون، ومحاسنُها كثيرة، منها: امتثالُ الأمر في قوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 8] .

وركنُها: استعمالُ لفظِ الشهادة.

وحكمها: فرضُ الحكمِ على القاضي بموجبها بعد التزكية، فلو امتنعَ القاضي عن الحكمِ بها بعد وجودِ شرائطها أثم؛ لتركه الفرض، وهو قضاؤه بها، واستحقَّ العزل؛ لأنَّ الفاسق يستحقِّهُ على المذهب، وعُزِّرَ لارتكابِه الممنوعَ شرعًا، وكفرَ إن لم يعتقدْ افتراضَ القضاء عليه بعد توفيرِ شرائطه، والقياسُ يأبى أن تكون الشهادةَ ملزمة؛ لأنّه خبرٌ محتملٍ للصدقِ والكذب، لكن تركُ ذلك بالنصوص والإجماع، وزيادةُ التحقيقِ والتفصيل في المبسوطات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت