اكتفى[ (2)
(1) وجَّه الإمام اللكنوي في (( السعاية ) ) (ص24) اختيار صاحب (( الهداية ) ): الطهارات، واختيار صاحب (( الوقاية ) )، فقال: مرجِّحُ أحد المسلكين هو التصور بوجه ما ، فإن المصنف تصور الطهارة بأنها مصدر جنس، فمال قصده إلى إفراده، وصاحب (( الهداية ) )تصور بأنه كثير الافراد، فمال قصده غلى جمعه، وهذا هو غرض الشارح من تبيان الأصل. ا.هـ.
(2) قوله: اكتفى بلفظ الواحد؛ هذا دفعُ دخلٍ مقدّر، تقرير الإيراد على ما في حلّ المشكلاتِ وغيره، أنّ (( الوقاية ) )مأخوذة من (( الهداية ) )، وقد ذكرَ في (( الهداية ) ): الطهارات، بلفظ الجمع، فما وجهُ العدول عنه، وعلى ما ذكره الوالدُ العلاّم أدخله الله دار السلام: إنّ أنواعَ الطهارة كثيرة: كطهارةِ الثوب والمكان والبدن، والطهارة الصغرى والكبرى بالماء والتراب، فكان المناسبُ أن يوردها بلفظِ الجمعِ إشارةً إليها، فما وجهُ الإيراد بلفظ الإقرار، وهذا التقريرُ أولى، وألصق بقول الشارح مع كثرةِ الطهارات، ويجاب عن هذا الإيراد بأي وجهٍ قرّر بوجوه، رجّحه للأفراد، ومنها أنّه إنّما اختارَ المفرد؛ لأنَّ الجمعَ المحلّى باللام نحو: لا أتزوّج النساء يبطل فيه معنى الجمعيّة، فيلزمُ العبث والتطويل بلا فائدة. كذا ذكره أخي جلبي في (( ذخيرة العقبى ) )، وليس بشيء فإنّ الجمعَ المحلَّى باللام إنّما يبطلُ فيه معنى الجمعيّة حيث لا عهدَ ولا استغراق، وحيث يمكن أحدهما يحمل عليه، فإنّ الأصلَ هو العهد إلى الخارجيّ ثمّ الاستغراق على ما حقَّق في (( التوضيح والتلويح ) )، وهاهنا يمكنُ حمله على الاستغراق، لكونِ المبحوث عنه في هذا الكتابِ جميع أنواعِ الطهارة، وعلى العهد أيضًا بأن ترادَ به أنواع الطهارةِ وأقسامُها المتعارفةُ بين الفقهاء، فلزومَ التطويلِ بلا فائدةٍ ممنوع، ومنهما: أنّ لفظَ الطهارةِ هاهنا عنوان الكتاب؛ ليعرفَ الطالبُ أنَّ الأحوالَ الموردةَ فيه أحوالٌ لما تحته، وفي إيرادِ الجمع إيهامٌ أنّ الأحوالَ المذكورةَ يجب أن تنسبَ إلى جميعِ أفراده، فإيرادُ المفردِ هو الأصلُ بهذا الاعتبار، والدَّاعي إلى بيانِ النكته هو المعدول عنه، كذا ذكره مُلاّ عصام الإسفرائيني في حواشيه، ومنها: ما ذكره الشارح، وحاصله أنّه لمّا كان الأصلُ في المصدر هو أنّه لا يثنى ولا يجمع، وكان لفظُ الطهارةِ مصدرًا أورده بلفظِ المفرد، ويرد عليه إيرادات، قد بسطنا الكلامَ فيها مع ما لها وما عليها في (( السعاية ) )ونذكر مخّصه هاهنا: الأوّل: إنّ الواحدَ يقابلُ المتعدّد لا الجمع، ومقابله أنّما هو المفرد، يقال: هذا واحد، أي ليس متعدّدًا، وهذا مفرد؛ أي ليس بتثنية ولا جمع، فكان المناسب للشارحِ أن يقول: اكتفى بلفظِ المفرد، والجوابُ عنه على ما أقول: إنّ الجمعَ والمثَّنى متعدّدٌ لفظًا، فإنّ اللفظَ ليس إلا ما يتلفَّظ به الإنسان، ففي الجمع والمثنى لفظان: أحدهما: لفظ الواحد، وثانيهما: علامةُ المثنى والجمع، فبهذا الاعتبار صحّ إطلاقُ الواحدِ بمقابلتهما، وقد قال السيّد علي الجرجانيّ في حواشي (( شرح الشمسيّة ) ): قد يطلقُ المفردُ ويراد به ما يقابلُ المثنّى والمجموع أعني الواحد. انتهى.
الثاني: إنّ لفظ: اكتفى، ليس في محلّه؛ لأنّه يقتضي أنّ المناسبَ كان إيرادُ المفردِ والجمع معًا، فاكتفى بأحدهما وليس كذلك، وجوابه: إنّه لو أوردَ بلفظِ الطهارات أورد لفظين: أحدهما لفظ الجمع، وثانيهما لفظ الواحد في ضمنه، فبهذا الاعتبارِ صحّ إطلاقُ الاكتفاء على إيرادِ المفرد.
الثالث: إنّ لفظ: اكتفى ينبئ أنّ الأولى كان إيرادُ الجمع، فاكتفى بالمفرد، وليس كذلك، وجوابه: إنّه لا شبهةَ أن كثرةَ الطهارات تقتضي أولويّة الجمع، فكأنّه قال: كان الأولى بالنظرِ إلى كثرةِ الطهاراتِ إيرادُ الجمع، لكنّه اكتفى بالمفرد لكونِهِ موافقًا للأصل.
الرابع: إن قوله: إنّ المصدرَ لا يثَّنى ولا يجمع، يقتضي أن لا يصحّ جمعه، وقوله: فلا حاجةَ إلى لفظِ الجمع يقتضي بأنّه وإن كان جائزًا لكنّه لا حاجةَ إليه، فبين قوليه تدافع، وجوابه أنّ الأصلَ في كلامِهِ محمولٌ على الراجح، ومقابلُ الراجحِ يكون جائزًا مرجوحًا.
الخامس: إنّا لا نسلّم أنّ المصدرَ لا يثنّى ولا يجمع، ألا ترى إلى قوله الفقهاء: كفت سجدة واحدة عن تلاوتين وتلاوات في مجلسٍ واحد، وجوابه: إنّ في المصدرِ اعتبارين: أحدهما أن يعتبرَ من حيثِ دلالته على الماهيّة، وبهذا الاعتبار لا يثنّى ولا يجمع، وثانيهما: أن يلاحظَ بالتعدد، وبهذا الاعتبار يصحّ جمعه، وعلى هذا يحملُ كلامُ من جمعَ المصدر، وبهذا يندفعُ الإيراد السادس من أنّ الشارحَ مع تصريحه بأنّ المصدرَ لا يثنّى ولا يجمع قد جمعه في قوله مع كثرةِ الطهارات، وهل هذا إلا القرارُ على ما عنه الفرار، وبه يندفعُ الإيرادُ السابع أيضًا وهو أنّه لا يخلو إمّا أن يجوزَ جمعُ المصدرِ أو لا يجوز على الأوّل لا يصح قوله لا يثنى ولا يجمع وعلى الثاني لا يصحّ إيرادُ صاحب (( الهداية ) )ومَن سلكَ مسلكه الطهارات بلفظ الجمع، ووجه الاندفاع أن يقال: إنّ المصدرَ إذا لوحظَ بالتعدّد يجوزُ جمعه، وبهذا الاعتبارِ أوردَ صاحب (( الهداية ) )وغيره لفظ الجمع: و إذا قطع النظر عنه لا يوردث جمعًا، وهو الذي اختاره المصنّف؛ لكونه أصلًا وراجحًا.
الثامن: إنّ الغرضَ هاهنا إنّما هو توجيه عدم إيراد الجمع، فقوله: لا يثنّى عبث لا طائلَ تحته، وجوابه: إنّ ذكره امتنان وإفادة؛ تتميمًا للقاعدة، هكذا في أكثرِ النسخ، وفى بعضها مع كثرةِ الطهارة، وهو بحذفِ المضاف؛ أي مع كثرةِ أنواعها، فإنّ المفردَ لا كثرة فيه.