-ونظر الرسول حوله، فوجد أولئك المؤمنين، بين مهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله. وأنصارى ربط مصيره وحاضره بهذا الدين الذى افتداه وآوى أصحابه. فأحب أن يشعر القوم بحقيقة الموقف، حتى يبصروا ـ على ضوئه ـ ما يفعلون. إن المرء قد تفجؤه أحداث عابرة وهو ماض في طريقه يحتاج في مواجهتها، لأن يستجمع مواهبه، وأن يستحضر تجاربه، وأن يقف أمامها حاد الانتباه، مرهف الأعصاب، وهذه الامتحانات المباغتة أدق في الحكم على الناس، وأدل على قيمهم، من الامتحانات التى يعرفون ميعادها، ويتقدمون إليها، واثقين مستعدين. ... المسلمون الذين خرجوا لأمر يسير، ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاق، تيقظت له مشاعرهم، فشرعوا يقلبون ـ على عجل ـ تكاليفه ونتائجه. وثار منطق اليقين القديم فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التى لا محيص عنها لمؤمن. استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس. فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذى بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له. ص _009