ودخل أبو سفيان مكة مبهورا مذعورا، وهو يحس أن من ورائه إعصارا إذا انطلق اجتاح ما أمامه، فما يقف دونه شىء، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيد رويدا رويدا، فاجتمعوا على سادتهم ينتظرون الأوامر بالقتال، فإذا بصوت أبى سفيان ينطلق عاليا واضحا: يا معشر قريش، هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن! وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهى تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت إليه وأخذت بشاربه تلويه وصاحت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمش ـ أى هذا الزق المنتفخ ـ قبحت من طليعة قوم ! ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لاقبل لكم به! فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله! وما تغنى عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وأصبحت"أم القرى"وقد قيد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها. فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون. على حين كان الجيش الزاحف يتقدم، ورسول الله على ناقته، تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشع لله، لقد انحنى على رحله وبدا عليه التواضع الجم حتى كاد عثنونه يمس واسطة الرحل، إن الموكب الفخم المهيب الذى ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذى يحف به ينتظر إشارة منه فلا يبقى بمكة شىء أمن، إن هذا ص _036