وكان أكثر من معنا من أصحاب شركات السيارات في دمشق وبعض الوجهاء، فكان يفتتح الكلامَ الشيخ ياسين الرواف، أول ممثّل للملك عبد العزيز في دمشق. ولم تكن للمملكة سفارة ولا مفوّضية، بل كانت تُسمّى المعتمَدية، ثم عُين في الوظيفة أخوه الشيخ عيد، ثم رشيد باشا، وأظنّ أنه كان في الأصل من جماعة ابن الرشيد أمير حائل، ولكن الملك عبدالعزيز -على طريقته في تألّف أعدائه- يوليهم الثقة فيعطونه الإخلاص، وكذلك خلفه الشيخ عبد العزيز بن زيد كان أيضًا من جماعة ابن الرشيد، وكلاهما تشرّفت بصداقته، أزوره دائمًا مع شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، ووثّق الصداقةَ أني لم أكُن أريد من أحدهما شيئًا ولا أطلب منه طلبًا. ولقد كُفّ بصر رشيد باشا في أواخر أيامه ولم يعُد يرى، ذهب بصره ولكن قويَت بصيرته، وكنت أدخل عليه أحيانًا مع الشيخ بهجة فلا أسلّم ولا أتكلم وأجلس فيوجّه إليّ الخطاب باسمي حيث أكون جالسًا.
ومن الذين كانوا مع خصوم الملك عبد العزيز ثم صاروا من أخلص الناس له وأشدّهم له حبًا السفير العالِم الأديب السيد عبدالحميد الخطيب، وهو أحد الرجال القلائل الذين يُحسَدون على ما أعطاهم الله (أي يُغبَطون عليه) ولا حسد إلاّ في اثنين: رجل آتاه الله مالًا فأفاض منه على الناس، ورجل أعطاه الله علمًا فنشره في الناس (أو كما قال) . والسيد عبد الحميد جمع الله له الأمرَين، عرفته في كراتشي وكانت أكثر أيامنا فيها عنده، وفي قصره في دمّر، رحمه الله، وعرفت ولده الشيخ فؤاد في كراتشي، وسمعت أنه الآن في وظيفة كبيرة هو أهل لها ولأكبر منها.