والدهشة المرسومة على وجهي، وسمعت المؤذّن، لكن لم يكن يؤذّن كما أسمعه كل يوم بل كان يُسرع، ينطق جملة «حيّ على الصلاة» مثلًا، ثم يمدّ لام الصلاة ويرخي صوته بها، ثم يرجّه رجًّا ثم يعود فيمدّه، فإذا بلغ المد أقصى مداه علا بصوته علوًّا مفاجئًا ورجّه رجّة سريعة، ثم صعد به أكثر فأكثر، ثم أخفاه حتى ينتهي الصوت فوق فتشعر كأنه طيارة ارتفعت حتى اختفت بين السحب وضاع أثرها.
وأنا -كما قلت لكم من قبل- أوتيت أذنًا لاقطة، فإن سمعت نغمة فلا أنساها، وقد لا أستطيع أداءها ولكن إذا سمعتها بعد ذلك عرفتها، لذلك أكشف الألحان التي يدّعيها الملحّنون وهي قديمة (كلحن «بلادي بلادي منار الهدى» الذي أحفظه بذاته من صغري) .
وكثرت عليّ العجائب تلك الليلة، فسمعت الباب يُقرَع. الباب يُقرَع في هذه الساعة من الليل؟ وسمعت رجلًا يضرب بالقضيب على طبلة معه ضربًا موزونًا، وينادي: يا شيخ أحمد أفندي، يا شيخ مصطفى أفندي (وهما اسما جدّي وأبي) قوموا لسحوركم ... ثم يقول كلامًا ظريفًا ما حفظته من أول مرّة. ولم يشأ أهلي أن يدَعوني في حيرتي ففسّروا لي ما خفي عني، قالوا إن هذا هو «المسحِّر» يدعو الناس للقيام للسحور لأنه قد جاء رمضان، وإن هذا الأذان العجيب بنغمته هو أذان السحور، فما دام صوت المؤذّن مسموعًا فإن الأكل يجوز، فإن انتهى فهو «الإمساك» ، أما أذان الفجر للصلاة فيؤذّن به داخل المسجد. والعادة عندنا في الشام، وفي أكثر البلاد، أن يكون الإمساك قبل