أضاء النهار عدنا فمشينا، حتى نزلنا غَورًا من الأرض غاب فيه عنّا شرورى، فلما خرجنا من الغور رأينا جبلًا عظيمًا معترضًا، ما عرفت هل هو الذي غاب عنّا قد عاد فظهر لنا أم هو جبل غيره؟ فدار بنا الدليل من حوله ليجنّبنا صعوده، فإذا الجبل يدور معنا من حيث درنا، ولم يبقَ لنا بُدّ من أن نصعده. ولو كنّا نمشي على أقدامنا لكان أهون علينا، فإن متسلقي الجبال ربما ارتقوا جبلًا قائمًا كالجدار مستعينين بالأوتاد وبالحبال، ولكن علينا أن نرتقيه بسياراتنا التي تحمل الأهوال من الأثقال، وتحملنا ومنّا من هو «أثقل» من كل تلك الأحمال.
صرفنا نهارًا كاملًا في صعود الجبل، نمشي في مثل الممرّات الحلزونية، نرسم دوائر وسط دوائر، وقاسينا ما لا يبلغ مداه الوصفُ ولا يقوى عليه إلاّ صناديد الرجال، حتى بلغنا قنّته [1] فأشرفنا على عالَم جديد، على منبسط فسيح من الأرض كأنه البحر، في وسطه سواد كأنه باخرة ماخرة، قال لنا الدليل: هذه تبوك.
أقف قليلًا لأسألكم سؤالًا، أرجو أن تفكّروا معي في الجواب عليه: مالنا صار الاختلاف كأنه سجيّة فينا، مع أنه كان أبعد شيء عن سجايانا؟ هوجمنا في ديننا حتى كاد (لولا أن الله حافظه) يضيع الدين، تداعت الأمم علينا وغفلنا عن حقنا حتى غلبونا على بقعة من قلب بلادنا: على فلسطين، وطمع فينا
(1) قُنّة الجبل هي قِمّته.