واجب الضيافة العربية.
أكلنا طعامهم، وهو أفضل طعام وأخفّه على المعدة وأنفعه للجسم: الزبد والرز والتمر. وشربنا من ألبان النياق، وما ألذّه من شراب! حلبوه أمامنا وجاؤونا به تعلوه الرغوة، فوجدته مُحلّى وما مسّه سُكّر مصنوع، وما شربتُه قبل هذه المرّة. وحدّثونا حديثًا حلوًا كتمرهم سائغًا كلبنهم، ثم سألونا عن الطريق الذي نعتزم على سلوكه فأشرنا إلى الدليل، فحدّثوه فألْفَوه أجهل الناس ووجدوه فلاّحًا يضرب بنا في الصحراء المهلكة على غير هُدى، فاختاروا واحدًا منهم يمشي معنا إلى القريات يدلّنا ويهدينا. وكان فتى أسمر حلو الخُلق والخَلْق، ولكنه على جماله ورشاقته أمضى من السيف الباتر وأسرع من السهم الغائر، وكان اسمه «سلامة» فتفاءلنا باسمه خيرًا، وكان عليه الصلاة والسلام يتفاءل بحسن الأسماء. قلت:"رافقَتنا إن شاء الله السلامة"، ونكّس الحاج غراب ذقنه وصمت لا يُبدي ولا يُعيد.
ما فعل الله بك الآن يا سلامة؟ وأنتم أيها الشبان هل أنتم أحياء؟ وأيّ سماء تُظِلّكم وأي أرض تُقِلّكم؟ وهل تذكرون هذا الركب الذي مرّ يومًا بكم أم أنسَتكم خبرَه الأيام؟ أم قد سبقتمونا إلى اللقاء الذي ما منه بدّ ولا مهرب: لقاء الله؟ جزاكم الله خيرًا وأحسن إليكم، وأجزل عنّا مكافأتكم أحياء لا تزالون أم أمواتًا. لقد أحسنتم إلينا، وكان لقاؤكم براعة الاستهلال في هذه الرحلة وكان بداءة خير لها.