وكانت هذه ليلتنا الثانية، ولكن لم تكن كالأولى بل كانت ليلة أُنس ومسرّة، نضج الطعام فتعشّينا وشبعنا، وأكلنا من حلوى الشام التي حملناها معنا، وسمعنا من موسيقى مصر التي نقلها الرادّ إلينا، وجدنا معنا عبد الوهاب وأم كلثوم هنا بين الشيح والقيصوم!
وما كان معي إلاّ «إحرام» واسع كنّا نستعمله في دمشق في الشتاء، من الصوف الخالص ناعم رقيق إن بسطته غطّى عشرة أشخاص نيام وإن شئت زيادة في الدفء طويته، فكان هو فراشي وكان لحافي. وبسط كل منّا ما حمل معه، ونمنا نومة كانت بعد ذلك التعب ألذّ نومة نمتها في حياتي. وأنا في العادة أستدعي النوم طويلًا وهو يتدلّل عليّ، ولكني ما وضعت خدي تلك الليلة على المخدّة حتى غرقت في المنام. ولو كنت في غرفتي في بيتي لما كفاني نوم تسع ساعات، ولكني صحوت في الصحراء قبل أن يُطِلّ الفجر من الأفق الشرقي نشيطًا قويًا، فرأيت الفجر عيانًا وما عرفته من قبل إلاّ على السماع أو في الكتب. رأيت الفجر الكاذب الذي يكون فيه النور خيوطًا متفرقة كأذناب البقر، والفجر الصادق الذي يطلع معترضًا يملأ الأفق، كما عرفت نجوم الليل وما كنت أراها من قبل إلاّ لمامًا، ما استطعت قبل تلك الليلة أن أستلقي وأن أتأملها وأتصوّر مدى عظمتها وكثرتها فيسجد قلبي لمبدعها وخالقها. عرفت في هذه الرحلة معنى قول الرافعي رحمه الله:
إنّما الإسلامُ في الصحرا امتهدْ ... لِيَجيءَ كلُّ مسلمٍ أسَدْ
ذلك أن الصحراء لا يعيش فيها ضعيف ولا جبان، لا تعيش فيها إلاّ الأسود والفهود والصخور الصلد والجبال الرواسي.