وتلالًا وصخورًا تُخفي وراءها ينابيع وزهورًا، كانت من قبل سهولًا مكشوفة كحقائق العلم فغدت جِنانًا مطوية ومفاتن غامضة كأنها صور الحلم.
لا تتقدم في الطريق مئة متر حتى يتبدّل المنظر من حولك، فإذا أنت في دنيا جديدة وفتنة جديدة، معرض للصور لا تُقدِم فيه على صورة تحسب من روعتها أن الجمال كله فيها حتى تجد إلى جنبها صورة أجمل منها: ها هنا مدرّج من الرفارف الخضر يستدير من حول ينبوع وعلى جنباته الزهر، تخطر أشجاره المثمرة على تلك السفوح المخضرّة كما تخطر صبايا القرية على طريق العين، فإذا درت حول الهضبة رأيت بستانًا كأنه سُرق من الغوطة فألقُي به في ذلك الوادي، فإذا هبطت الوادي أبصرت نهرًا متحدّرًا جيّاشًا تتكسّر مياهه في شعاع الشمس يسير من حول التلّ يبرق مثل بريق عقد من الألماس حول عنق الكاعب الغيداء، فإذا صعدت الجبل تجمّعَت لك المشاهد حتى تأخذ ببصرك الوادي كله، فترى القرى متمدّدات على السفوح تمدّد الحصّادات الحسان على بساط الكلأ عند الظهيرة في ساعة الراحة بعد العمل، والبيوت متجاورات عند الصخرات دانيات تتناجى تناجي المحبّين عند العشيّة، والمآذن شامخات كأنهن أصابع ممتدّات تشهد أن لا إله إلاّ الله.
في كلّ جهة عين، وعلى جنب كل درب ساقية، وفي كلّ ناحية شلاّل يتدفق، ينبثق ماؤه مسرعًا إسراع العاشق إلى موعد لقاء، وللسواقي وشوشة كأنها مناغاة الأحبّة بعد طول فراق! ووراء ذلك كله الوادي العظيم، وادي بحيران، بأشجاره المثمرة ومياهه المتحدّرة وجوانبه المزهرة، ينتهي بشقّ ضيّق بين صخرتين