أنا لا أجمجم الكلام ولا أديره على وجوهه التي ترضون عنها، فقد يئست حتى ما في نفسي مكان لأمل ولا متّسَع لخوف، واليائس لا يخيفه شيء، وإن نحن عجزنا عن أن نعيش أحرارًا فلن يُعجِزنا أن نموت أحرارًا، وما بعد الذي كان يوم الأحد أمل ولا خوف.
لقد قُضي علينا أن نهبط من عليائنا وأن نُسلَب حرّيتنا ونفقد استقلالنا، ولكن لم يأتِ بعد، ولن يأتي أبدًا، اليوم الذي نخسر فيه إيماننا وكريم خلالنا. إننا اليوم كما قال ملككم فرنسوا الأول: «خسرنا كل شيء إلاّ الشرف» ، كتب ذلك في رسالة بعث بها إلى الملك المسلم العظيم سليمان القانوني يستنجده، فوجد منه النجدة والمدد. فجئتم أنتم -يا أحفاده- تردّون جميل صنعه لكم بقبيح صنعكم بنا، ولا عجب، فقديمًا قال شاعرنا:
ملكنا فكان العدلُ فينا سجيّةً ... فلما ملكتُم سال بالدّمِ أبطحُ
وحلّلتمُ قتلَ الأُسارى وطالَما ... غدونا على الأسرى نمُنُّ ونصفَحُ
فحسبُكمُ هذا التفاوُت بينَنا ... فكُلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضَحُ
لقد قاسينا منكم الظلم وعايشنا الفقر وشاهدنا الخراب، وأصبحَت مدينتنا أطلالًا وأهلها مشرّدين ونساؤها ثاكلات، فماذا نخاف بعد هذا؟ عندكم أشدّ من الرصاص؟ فقد فتحنا له صدورنا. والقنابل؟ قد أعددنا لها دورنا. هل عندنا أغلى من الأرواح؟ لقد بذلناها ثمنًا للاستقلال.
ثمنُ المجدِ دمٌ جُدنا بهِ ... فانظروا كيفَ دفعنا الثمنا