هل تظنون أننا نستكمل استقلالنا ونحمي بلدنا، ونستغني عن صناعة غيرنا بمصنوعاتنا وعن الاستعانة بعلومهم بعلومنا، ونكون مثل الأمم التي نسمّيها متحضرة، بالشعر وحده؟ لا يا أولادي! وطردنا، وسقط أنور في الامتحان.
وهذا الأستاذ الذي تسمعون باسمه أول مرة والذي نسيه أهل بلده كان من العباقرة، فيه سموّ عبقريتهم وفيه غرائب شذوذهم، وبين العبقرية والجنون جدار رقيق. الناس في مجتمعاتهم كقافلة تمشي، فقد ينفصل عنها رجل ضعيف لأنه لم يستطع أن يمشي معها، أو رجل قوي لا يريد أن يسير بسيرها ولا يحب أن يمشي على طريقها، بل يريد أن يشقّ لنفسه طريقًا جديدًا أو يجتازه مسرعًا، فيسبق من كان معه، وهذا هو العبقري.
إذا رأيت رجلًا يركض في الشارع في باريس وراء عربة يكتب على جدارها أرقامًا تقول إنه مجنون. ولكن أمبير صاحب المقياس المعروف في الكهرباء كان يحمل معه الحوّار (الطباشير) ، فإن عرضَت في ذهنه مسألة وقف أمام جدار أسود ليحلّها، فوقف مرّة يحل مسألة على جانب عربة خيل، فلما سارت العربة عدا وراءها يكمل مسألته لا يحسّ بسيرها. وإن رأيت من يريد أن يسلق بيضة وينظر في الساعة، فوضع الساعة في الماء الذي يغلي ونظر في البيضة، ألا تقول إنه مجنون؟ إن نيوتن صنع هذا، وهو عبقري. وإن رأيت من تسأله امرأة في إسطنبول: أين دار وزير المعارف؟ فيقول (صادقًا) : لا أدري، ولكن من هو وزير المعارف؟ فهل يخطر على بالك أن الذي قال هذا هو أمر الله أفندي العلامة التركي الذي كان هو وزير المعارف؟