فوجدت أكثرها من البيوت القديمة التي ليس فيها حمام.
وكان التعليم الابتدائي إلزاميًا، وكان عندنا قانون (أظنه صدر أيام العثمانيين) يُلزِم كل ولد في سنّ الدراسة الابتدائية بالذهاب إلى المدرسة، فإذا امتنع أجبره الدرَك (شرطة الأقضية والقرى) على الذهاب وغرّموا وليّه مالًا ووَقفوه [1] في المخفر.
ولم أحتَجْ إلى هذا القانون، فقد تدفّق الأولاد على المدرسة حتى لم يبقَ فيها مكان، ضاقت هي ولكني لم أضِق أنا بهم ولم أتبرّم بكثرتهم، بل كنت أزداد بهم فرحًا كلما ازدادوا عددًا. وكان أنبه التلاميذ رضا (ابن أبي رضا الذي ذكرتُه) فجعلته على صغره عريفًا، وجعلت من متقدمي الطلاّب معلمين أو معاونين لمتأخّريهم، فكبروا بذلك قبل أوان الكِبَر. وكنت أراقبهم من بعيد فلا أجد بحمد الله إلا التعاون الصادق، حتى صارت هذه المدرسة إمامًا لمدارس القرى.
ونفخت فيهم روح الحماسة للعمل وإخلاصه لله لا للناس، وكانوا -على صغرهم- يدركون هذا كله، إن لم تدركه عقولهم وَعَتْهُ قلوبهم واشتملت عليه ضمائرهم. وكان قبلي في هذه المدرسة معلّم أصله من درعا اسمه الشيخ «فلان» الحلبي، وكان محرّكًا (موتورًا) لا يقف ومبعث نشاط لا ينضب، لم أرَه ولكن رأيت آثار عمله وكانت آثارًا طيبة. ولم يكمل تعليمه من تلاميذ هذه المدرسة إلا الولد الأصغر لأبي رضا السقباني، يعمل الآن
(1) وقفه بمعنى أوقفه، ولم يرد في الفصيح أوقفه. ومن هنا جاء اسم «الوقف» و «الأوقاف» .