ذكرى ضئيلة في نفس بردى وأنقاض هيّنة إلى جواره، وصفحة أو صفحات في كتاب التاريخ، وإذا بأمّة أخرى تخلفها في أرضها وترثها مجدها، ثم يكون سبيلُها سبيلَها. هكذا يدور الفلك في السماء ويدور السلطان في الأرض، فتنشأ من القبر الحياة ويغطي على الحياة القبر، والسلسلة لا تنتهي والناس لا يعتبرون، وبردى يتبسم ساخرًا من غرور الإنسان ضاحكًا من جهالته، يحسب نفسه شيئًا، فيصارع الكون ويتطاول بعقله القاصر إلى الكلام في صفات الربّ العظيم، يقيس الخالق على المخلوق، ويزعم لأدبه وفنّه الخلود وما عمره إلاّ ساعة واحدة من عمر بردى! وما عمر بردى إلاّ ساعة من عمر الأرض، وما عمر الأرض إلاّ ساعة من الزمان المطلق الذي لا يعرف حقيقته إلاّ خالقه.
بردى وهو يجري على الأرض رمز لتاريخ أمة العرب وهو يمشي في الزمان، ففي كل قسم من بردى فصل من التاريخ:
يخرج بردى من بقعة في الزّبَداني منعزلة صعبة لا يبلغها إلاّ مَن كان من أبنائها عارفًا مداخلها ومخارجها، كما خرج العرب من هذه الجزيرة الصعبة المنعزلة التي لم تكُن يومًا إلاّ لأبنائها، والتي ردّت عنها الفاتحين كافّة وجعلت رمالها رمسًا لكل من يجرؤ منهم على وطئها، حتى من كان من أبنائها تحت راية واحد من أعدائها كان مصيره مثل مصيرها وابتلعته هذه الجزيرة كما ابتلعت جيش كسرى في «ذي قار» ، ثم لم يقنعها ما صنعت حتى ابتلعت دولته كلها في «القادسية» تحت راية القرآن، وقالت للدنيا: هذا جزاء من يطأ أرض الجزيرة!