فهرس الكتاب

الصفحة 3165 من 3178

ساعات لا تُفتَح فيها النوافذ ولا يتجدّد فيه الهواء، ولكنّ مَن فيه لا يحسّ بفساد هوائه. فإذا خرج ساعة إلى النسيم الرخيّ والهواء النظيف ثم عاد إلى المجلس أدرك ما كان في جوّه من فساد. أو كالمزكوم الذي عطّل الزكامُ شمّه، أو كذي الفم المُرّ الذي وصفه المتنبي: «يجِدْ مُرًّا بِهِ الماءَ الزُّلالا» [1] .

ذلك هو السبب. فالحمد لله أن أقامني في المملكة نحوًا من ربع قرن وألزمني البقاء في مكة، لم أخرج من حدودها وحدود جدّة من تسع سنين ولم أجاوزهما إلى غيرهما، فأذهبَ ذلك عن أنفي الزكام وعن لساني المرارة، وأعاد إليّ صفاء النفس ومضاء الحسّ، وعُدت أنكر ما ينكره الشرع.

وكنت أفكر في اختيار موضوع لهذه الحلقة من الذكريات كما أفعل كل مرة، أفتّش عنه، فوجدته في هذه الندوة التي عرضها الرائي من أيام، فجئت أصل الآن كلامي عن تعليم الطلاب في الكلية في مكة بالحديث عن تدريس الطالبات فيها.

نشأت في دمشق قُبَيل الحرب الأولى وفي أثنائها، يوم لم تكن هذه الحضارة قد وصلت إلينا إلاّ لمامًا وما عرفناها إلاّ من بعيد، نسمع أخبارها ولكن لا نُبصِر آثارها. فلما انتهت الحرب الأولى سنة 1918، وكنت في أواخر المدرسة الابتدائية، هجمَت

(1) هذا هو الشطر الثاني من البيت، وصدره: «وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ» (مجاهد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت