من حين تعلّمت القراءة وأنا ابن عشر سنين إلى الآن (وقد جاوزت الثمانين) ، أقرأ كل يوم عشر ساعات أو أكثر، فما ظنّك بمن يقرأ كل يوم عشر ساعات على مدى سبعين سنة في جميع العلوم والفنون؟ وكنت بحمد الله أحفظ كل ما أقرأ وكل ما أسمع، فصرت الآن أحفظ الموضوع ولكن أنسى أين قرأته أو ممن سمعته.
نهجت في درس الإنشاء نهجًا جديدًا لا عهد للمدارس ولا للجامعات بمثله، فلمّا ذاق الطلاب حلاوته ورأوا ساعة الدرس تضيق عنه سألوني وقتًا آخر أكمل لهم فيه ما شرعت به، فكانوا يحضرون برضاهم واختيارهم في غير ساعات الدوام، ويدخل معهم وينضمّ إليهم طلاب من الفصول الأخرى وطلاب من كلية الشريعة، ولمّا شاع أمر هذه الدروس صار يحضرها فريق من طلاب الجامعة ومن غيرهم.
وأنا كنت أقترح من قديم أن نبدأ في تدريس الأدب من أدباء عصرنا لأن أساليبهم أقرب إلينا وموضوعاتهم أمسّ بنا، لا من العصر الجاهلي (كما كنا نفعل) ثم ننتقل منه إلى العصر الأموي فالعباسي. فلمّا استلمت مادة الإنشاء في كلية اللغة العربية وجدت فيها مجالًا لتحقيق هذا الاقتراح. لا أن أجعله درسًا في تاريخ الأدب، بل أن أعرض على الطلاب ألوانًا من أساليب الكتّاب أبيّن لهم مزاياها وعيوبها.
ولست أذكر الآن كل ما ألقيته، ولم أكن كتبته فاستبقيته، ولكني أذكر أني عرّفتهم بأساليب طائفة صالحة من كتّاب العصر،