ودّعت الملك المؤسّس العبقري عبد العزيز الذي بنى دولة أقامها على تقوى الله، وساسها سياسة أدهشت دهاقين السياسيين ممّن درس في الجامعات وعاش في مراكز الحضارات، وهو الذي لم يدرس إلاّ في جامعة الحياة وهو الذي عاش شطرًا من حياته في هذه الصحراء. الصحراء التي لا تعرف النفاق لأنها مكشوفة، ليس فيها كما في المدن سقوف ربما أخفت تحتها الموبقات ولا جدران ربما حجبت الجرائم والخطيئات، الصحراء التي لا يعيش فيها إلاّ الأقوياء، تعيش فيها أُسْد الفلاة ولكن لا تعيش فيها الجراثيم ولا المكروبات. الصحراء التي فقدنا كثيرًا من مجدنا لمّا نسينا أخلاقها، كما نسيها يومًا جنود هانيبعل (هانيبال) الذين هبطوا منها على روما من فوق جبال الألب، فلما عاشوا فيها واستسلموا إلى الدعة وألِفوا عيش المدن استرخوا وضعفوا. لذلك ترك ابن تاشفين الأندلس، جنة الأرض، وعاد إلى الصحراء خشية أن يحلّ بجنده ما حلّ بجند هانيبال.
وودّعت من إخواني هنا نفرًا كرامًا كانوا إخوة حقًا وكانوا أصدقاء. وما كل أخ صديقًا. وكلهم أصغر مني سنًا، الدكتور محمد أمين المصري، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ ظافر القاسمي، ومَن كان بعضهم من تلاميذي كالأستاذ عبد الرحمن رأفة الباشا.
فحتّى متى أبقى ويظعَنُ إخوةٌ ... أُوَدّعُ منهمْ راحلًا غيرَ آيِبِ؟
أشهد أني ما راجعت الوزير الشيخ حسن رحمه الله،