شيئًا، ولكنْ فيها سرورٌ وفيها ألمٌ وفيها خيبة أمل وفيها الواقع يضحك أبدًا من هذا الإنسان، لأنه يراه هو الظالم ويراه هو المظلوم. وما الإنسان إلاّ عدوّ الإنسان: يكتب القوي سيرة حياته ويملؤها بآيات التبجيل والثناء، ولكن مِدادها دموع الأشقياء ودماء الأبرياء. ويُنشئ القويّ صرحَ مجده ويرفع ذُرى عظمته، ولكن أساسه جماجم المظلومين وعظام الشهداء. ويملأ القوي بالذهب خزائنه، ولكن دراهمها قد جُمعت من أيدي اليتامى وأفواه الفقراء.
5 -بعد ساعة واحدة تحطّ القافلةُ رحالَها، فنتلفّت إلى الوراء فلا نرى إلاّ ظلامًا يلمع في وسطه نجم من الذكرى نتبيّن فيه العَلَم المربع الألوان (أي علم الدولة العربية التي قامت في دمشق سنة 1918) وهو يخفق على دمشق، فتخفق قلوبنا لجلال الذكرى ومرارة الفَقْد. فنحوّل أنظارنا إلى الأمام فلا نرى إلاّ الظلام. ولكن ما هذا النور الذي ينبعث من الأرض فيذهب صعدًا إلى السماء، فيهدينا الطريق ويُترِع نفوسنا قوة وأملًا؟ لقد علمت: هذا بريق الدماء التي سقينا بها صحراء ميسلون وجنان الغوطة (أعني أيام الثورة) . لقد علمت: لا يُزيح ظلمة المستقبل إلاّ هذا النور الأحمر.
6 -تَزيّن الناس ولبسوا أحسن ثيابهم وراحوا يهنّئ بعضُهم بعضًا. لقد امتلأَت بهم الأسواق والشوارع والبيوت والمجامع، لقد ناءت برسائلهم قُطُر البريد، حتى ما ترى حيثما كنت إلاّ ثغورًا تبسم، وما في القلب سرور، وما تسمع إلاّ مقالة تُقال: كل عام وأنتم بخير. غير أني لا أفقه من هذا كله شيئًا.