فيها لا يسابق إلى غنائمها. ولعلّي لم أحسن التمثيل، فلا تناقشوني فيه، «فليس من دأب المحصِّل المناقشة في المثال» كما كان يقول مشايخنا.
ومنها جماعات جعلت كلّ همّها في دعوى تهذيب النفس وتصفيتها بالمراقبة والمجاهدة وتركَت العلم فلم تُقبِل عليه، مع أن العلم بالشريعة هو المصباح الذي يُنير لنا طريقنا، فإن أطفأناه وزعمنا -كما زعموا- أن الله يهدينا بغيرها ضللنا كما ضلّوا. إنهم يحتجّون على عادتهم دائمًا بجملة من آية، يُغمِضون عيونهم وآذانهم عن سباقها وعن سياقها، عمّا جاء قبلها وبعدها، فلا يرونه ولا يسمعونه. أخذوا من قوله تعالى جملة {واتّقُوا اللهَ ويعلّمُكمُ اللهُ} فاحتجّوا بها على ترك العلم، ونسوا أن التقوى بامتثال أمر الله وأمر رسوله، واللهُ ورسولُه أمَرا بطلب العلم وجعلا طلب بعضه فرضًا كفرض الصلاة، وأن الله يقبل من الأعمال ما خلص له على أن يكون موافقًا لما شرعه.
وآخرون اقتصروا على العلم وحده بلا تقوى، فكان سلوكهم عقليًا خالصًا خاليًا من الروح. وإذا ذهبَت الروح ذهبت الحياة، والعلم بلا تقوى علم ميت ربما رمى صاحبه في جهنم، لأن إبليس كان عالِمًا فلم ينفعه علمه لمّا عصى ربه!
أمّا جماعة أبي الحسن من النَّدْويين فقد أخذوا بالحسنيَين، بالعلم الذي ينمّي العقل ويُرشِد إلى الطريق، وبالتقوى التي تخلّص الروح وتُنجي في الآخرة. والدنيا اليوم مقبلة على المذاهب الروحية ما كان حقًا منها وما كان باطلًا، وذلك ثمرة هذه الحضارة