عشرون كرسيًا والجائعون مئتان، أكان يحسن بك بعد أن أكلت وشبعت أن تشغل الكرسي فتأكل مرة ثانية طعامًا لا تحتاج إليه، وإخوانك الجائعون قائمون ينتظرون؟
أنا أعلم أن للحجّ ثوابًا كبيرًا، ولكن الفريضة مرة واحدة في العمر والباقي نافلة، والنوافل يُغني بعضُها عن بعض.
ولقد ضربت مرة مثلًا بالفرائض والنوافل برجل استأجر دارًا في المصيف، لها حديقة واسعة فيها الأشجار وفيها الأوراد والأزهار والسواقي تجري من تحتها، ومن ورائها جبل موحش فيه الحشرات وفيه الوحوش، ولها أبواب على الحديقة وأبواب على الجبل، أمّا أبواب الحديقة فإن واحدًا منها إن فتحته يُغني عن باقيها، وأمّا أبواب الجبل فعليك أن تسدّها كلها لأن الباب الواحد منها يُدخِل عليك ما تخشاه.
فالفرائض لا بد من القيام بها كلها والمحرَّمات لا بدّ من تركها كلها، وأمّا النوافل فهي أبواب شارعة إلى الجنة، فمن ترك حجّة النفل ونوى بذلك فتح المجال لغيره من المسلمين ممن لم يحجّ حجّة الفرض، وتَصدّق بالمال الذي أعدّه للحج أو أتى غير ذلك من النوافل الكبيرة، كان له فيه غنى.
ولقد كتبت مرة كتابًا عن عبد الله بن المبارك صدر في سلسلة كان عنوانها من أعلام الإسلام [1] . وابن المبارك من الذين جمع الله لهم العلم والمال، فكان من كبار العلماء وكان من كبار
(1) اسم السلسلة هو «أعلام التاريخ» وليس «أعلام الإسلام» ، وقد سبقت الإشارة إليها (مجاهد) .