بتكلّف الإعراض عنه، لا كِبْرًا فما في طبعي بحمد الله الكِبْر ولكن أداء لأمانة القضاء، فإن القاضي (في الأرياف خاصة) إن عقد صلة بينه وبين بعض أهلها، ولو كانت صلة نظيفة مشروعة، استُغلّت أبشع استغلال وأُكلت بها حقوق الناس، لذلك كان على القاضي فيها أن يعتزل الناس عزلة كاملة فلا يزور أحدًا ولا يقبل زيارته في بيته.
وكان في قَطَنا شيخ جليل القدر هو رفيق شيخنا الشيخ أبيالخير الميداني، اسمه إبراهيم الغلاييني، وكان عالِمًا آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر صدّاعًا بالحقّ، له سطوة علىالمنحرفين من أهل البلد وهيبة في صدور الناس، فكنت أزوره أحيانًا.
واستمر هذا الانتداب إلى أن نصبت الحكومة قاضيًا أصليًا للمنطقة.
ومما أذكر من أخبار محكمة قطنا أنه كان فيها كاتب نبيه قويم السيرة، وكان يدرس في كلية الحقوق، فجاء الامتحان فلم يسمحوا له بأدائه لأنه استوفى حظّه من الإجازات، فقدّرت وضعه وأملت منه خيرًا إن نال الشهادة في الحقوق، فأذنت له بالذهاب لأداء الامتحان وحملت تبعة ذلك، وكلّفت كاتبًا آخر بأداء عمله وأعطيتُه من مالي تعويضًا رضي به. ولقد أكمل هذا الكاتب دراسته وصار بعد ذلك قاضيًا من خيرة القضاة.
وأنا لست من الذين يخرجون على القوانين ويخالفونها، ولكن القانون -مهما بلغ من الدقة والإحكام- من وضع البشر وقد يتعارض أحيانًا مع العدل، وأنا أرى في مثل هذه الحالة