وممن كان في الديوان الأستاذ إبراهيم السيوفي، وكان في تلك الأيام أصغر مَن فيه ولكنه أثقلهم حملًا وأكثرهم شغلًا، وقد صار من بعدُ قاضيًا. ومنهم الأستاذ نصوح الكيلاني، وكان فوق عمله في المحكمة معدودًا من كبار رجال الفنّ ومن أهل الموسيقى ومن أحسن العازفين على القيثارة (الكمان) !
أرجع إلى رئيس المحكمة الأستاذ مصباح محرَّم. وأنا لا أزال أذكر لحيته البيضاء وشاربَيه الكبيرَين، وما تفيض هيئته ولهجته وسعة علمه وصدق مقالته من فرض الاحترام على جليسه، فقد كان عالِمًا في الحقوق وكان مدرّسًا في كلّيتها (وكنا نسمّيها معهد الحقوق) يدرّس مادة «الصكوك القضائية» ، وله فيها كتاب وصل إلى أيدينا وقد دخلنا الكلية سنة وفاته (1350هجرية) وصل إلينا كتابه ممن كان قبلنا من الطلاب وكنا نراجع فيه.
وكان الأستاذ مصباح محرم متمكنًا من العربية صحيح العبارة بعيدًا عن اللحن وعن الضعف، وكان له شِعر يرتفع عن نَظْم النظّامين وينزل عن شعر الشعراء المطبوعين، وهو على كل حال مبرّأ من هذا الذي يُنشَر الآن على أنه شعر وما هو بشعر! وعندي لوحة فيها جملة «بسم الله الرحمن الرحيم» كان أهداها إلى أبي مصوَّرة عن قطعة كتبها السلطان محمود بخطّ الثلُث، بلغ فيها الغاية في جمال الخطّ وحسن الترتيب.
وكان مصباح بك متدينًا يراقب الله ويمشي على شرعه. وولده أستاذنا الدكتور محمد محرم كان رئيس قسم الأمراض الجلدية في