يقارع الأحداث ويثبت على الزلازل والهزّات خمسة قرون: صرح الدولة العثمانية، على ما كان منها.
لبثتُ أزور المحكمة بعد موت أبي بطلب من الرئيس مصباح بك رحمه الله، يحدّد لي الوقت الذي لا تكون فيه جلسات مذاكرة بين الأعضاء، فإذا جئت وجدت عنده الشيخ مسعودًا وبعض أعضاء المحكمة، فأسمع من الأحاديث وأتلقّى من النصائح، وأعرف من الرجال ما يكون لي كنزًا آخذ منه فلا يفنى.
وممن عرفته في تلك الأيام من أعضاء المحكمة (أي من مستشاريها) الشيخ علي عيّاد، وهو عالِم مغربي، وكنا نسمّي «مغربيًا» كلَّ من جاءنا من شمالي القارة الإفريقية مما يجاوز مصر، فالطرابلسي (أي الليبي) مغربي والتونسي مغربي والجزائري والمراكشي كلهم كانوا عندنا مغاربة، لا يكاد معظمنا يفرق بينهم، بل لم يكن في ذهني -على ما درسته من الجغرافية- تصوّر واضح لمواقع هذه الأقطار! والشيخ علي هو والد الدكتور كامل عيّاد.
ومنهم يوسف بك الحكيم، وكان كما أذكر الرئيس الثاني لمحكمة التمييز، أي محكمة النقض. وقد عاش عمرًا طويلًا، وكنت أزوره في داره في ساحة النجمة في دمشق، وكان يذكر أبي ويثني عليه، وقد ولي وزارة العدل.
ومنهم الأستاذ الشيخ سليمان الجوخدار، وقد سبق لي عنه في هذه الذكريات كلام طويل، وقد ولي الوزارة أيضًا وكان من أقوى الوزراء.